اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة رم للأنباء
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
رم - رحل الشهيد 'جواد' وهو في ربيع العمر، شاب في مقتبل شبابه ما زال يخطو خطواته الأولى، لم يذق بعد حلاوة الحياة، ولم يرَ من الدنيا شيئاً من زينتها أو أمانيها. مضى سريعاً وترك خلفه فراغاً يعتصر القلوب وجعاً وذهولاً. أي جبالٍ تلك التي تقوى على حمل حزن أمه؟ تلك التي عاشت تترقب خطواته، وتستحضر الذاكرة يوم قبوله في الأمن العام؛ كيف طارت من الفرح، وزغردت من أعماق قلبها، ووزعت الحلوان فخراً بابنها الذي ارتدى ثوب الشرف ورفع رأسها عالياً. كانت تعد الأيام وهي تنتظر اليوم الأكبر لتراه عريساً، تفرح بزفافه، وتنتظر أن يملأ صغاره بيتها بالحياة والضحكات. تبددت تلك الأمنيات بلحظة واحدة، لكن يقينها أعظم من فجيعتها؛ فإذا لم تفرح به في هذه الأرض، فإن عرسه اليوم في جنات الخلد، استقبله إخوانه الشهداء الأبرار، رحبوا به وفرحوا بقدومه، فاليوم جاءهم ضيفٌ عزيزٌ كريم، عريسٌ يُزف إلى جوارهم في دار كرامةٍ لا ينتهي نعيمها. أما أبو جواد فيعتصر قلبه مرارة لا تنتهي ووجعاً يهدّ الحيل، وهو يرى كل آماله وسنين تعبه تُخطف في طرفة عين؛ كان يرى فيه عكازه الذي سيتكئ عليه وسنده الذي ينتظره، فإذا بقطعة من روحه تمضي قبله، مخلفة في صدره غصة وحرقة لا يداويها إلا الاحتساب والرضا بقضاء الله. وفي موقع الواجب، يدمي القلب مشهد طاقيته العسكرية المرمية على الأرض؛ تلك البوريه التي كانت تعلو جبينه بشموخ، باتت مسجاةً على تراب الوطن، تفوح منها رائحة المسك الممزوجة بدمائه الزكية، شاهدةً على اللحظة التي ارتقى فيها الفتى شامخاً دون أن يساوم أو يتراجع. يترك جواد مكاناً يعزّ ملؤه بين رفاق السلاح؛ ترك بزّته العسكرية التي شرّفها وشرّفته، ليغدو اليوم رمزاً حياً في عيونهم وعنواناً للرجولة التي لا تهاب المنون. رحل جواد برصاصة جبانة من خائن مجرم، شُلّت يمينه وخابت مساعيه، لم يراعِ في هذا الشاب إلّاً ولا ذمة، ولا فكّر في بيتٍ حطمه ولا في قلوب بريئة أوجعها. قاتلٌ باع ضميره، فكان نصيبه الخزي والعار ولعنة تلاحقه، بينما نال جواد شرف البطولة والخلود، فصعدت روحه الطاهرة راضية مرضية إلى بارئها. كان جواد اسماً على مسمى، جاد بأجود ما يملكه إنسان، فقدم روحه ودمه فداءً لثرى الوطن ودفاعاً عن أمنه وكرامته. لم يعش طويلاً في هذه الدنيا، لكنه ترك سيرة شرف لا تموت، ورسالة راسخة بأن رصاص الغدر لن يكسر هذا الوطن ولن يزعزع أمنه. سلامٌ على روحك يا جواد، وحمى الله قلبي أمك وأبيك، وربط على فؤادهما بسكينة من عنده وصبرٍ جميل، وجعلك شفيعاً لهما يوم القيامة في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر. م. غدير احمد المحيسن












































