اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. زكية الصقعبي
إن الوجه قناع، لكن العيون هي الثقب الذي نطلّ منه على الحقيقة. فالعيون لا تملك رفاهية الصمت، وحتى حين تُطبق الشفاه، تظل هي تتحدث بطلاقة مرعبة. يمكننا تدريب أصواتنا على الثبات، واختيار كلماتنا بعناية لتبدو متزنة، لكن حدقة العين لا تعرف الكذب؛ إنها تتسع وتضيق بقوانين لا تخضع لإرادتنا، وكما قال الشاعر أبو الطيب المتنبي واصفًا كيف تفضح العين ما يحاول المرء كتمانه:
أُصَادِقُ نَفْسَ المَرْءِ قَبْلَ جِسْمِهِ
وَأَعْرِفُهَا فِي فِعْلِهِ وَالتَّكَلُّمِ
وَأَبْصَرُ عَيْنَيْهِ فَأَعْرِفُ قَلْبَهُ
إِذَا كَانَ مِنْ تَحْتِ السِّيَاطِ كَتَكَتُّمِ..
ولهذا، حين أريد أن أصدق شخصًا، لا أنظر إلى حركة يديه أو انحناءة ظهره، بل عينيه؛ فهناك يكمن ما لا يمكن تجميله.
لقد رأيت عيونًا تبتسم بينما الشفاه حزينة، وعيونًا تفيض بالقسوة بينما الكلمات جميلة.
الخديعة في العين مجهدة، وتتطلب طاقة لا يقوى عليها أحد لفترة طويلة، لذا سرعان ما ينكشف المستور في لحظة سهو أو لمعة عابرة، ليصبح من السهل أن نقول: هذه عين واثقة، وهذه عين منكسرة.
تمامًا كما اختصر ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة قدرة العين الفاضحة:
لِلْعَيْنِ نُطْقٌ وَالْقُلُوبُ تَعِيـهِ
فِيهَا الَّذِي نُخْفِيهِ أَوْ نُبْدِيهِ
فَتَرَى الْبَصِيرَ بِمَا يَشَاءُ كَأَنَّهُ
سَمِعَ الَّذِي فِي نَفْسِهِ يَطْوِيهِ..
إن تثبيت النظر في عينيك بقوة ليس شجاعة دائمًا، بل هو أحيانًا محاولة يائسة لمنعك من الدخول.
وفي المقابل، فإن الهروب بالنظر بعيدًا ليس خجلًا بالضرورة، بل ربما لأن صاحبه يحمل عالمًا من الأسرار يخشى أن يتسرب إليك لو تلاقت العيون.
العين لا تنظر فقط، بل تمتص العالم، وهناك فرق شاسع بين من ينظر إليك، ومن ينظر عبرك.
الذي يحدق في الفراغ وهو وسط الزحام لا يكون غائبًا، بل يكون غارقًا في مشهد لا يراه غيره؛ فجمود نظراته ليس فراغًا، بل هو احتشاد لصور قديمة لا تغادر مخيلته. وهنا يظهر الوجه الآخر للرؤية: الانكشاف. فأصعب اللحظات هي تلك التي نضطر فيها لتبادل النظرات مع من نحب أو من نخشى. ولماذا نخفض رؤوسنا أحيانًا؟ ليس ضعفًا، بل لأننا نشعر أن أرواحنا أصبحت عارية تمامًا أمام الطرف الآخر؛ فالنظر الطويل هو «اعتراف» صامت، لا يجرؤ عليه إلا من تصالح مع حقيقته، وهو ما خَلَّده أحمد شوقي في مشهد الوداع الشهير:
وَتَعَطَّلَتْ لُغَةُ الْكَلَامِ وَمَا خَلَتْ
عَيْنَاكِ فِي لُغَةِ الْهَوَى المَشْبُوبِ
أَوْمَتْ بِعَيْنَيْهَا فَقُلْتُ لَهَا اسْلَمِي
وَلَدَيَّ وَقْفَةُ حَائِرٍ مَحْجُوبِ.
ثمة من يملك عينين كالبحر الهادئ، لا تعطيك إجابة بل تطرح عليك ألف سؤال، وهناك من يملك نظرات «مفترسة» تقتحم خصوصيتك وتصادر هدوءك دون إذن. وفي العتمة، يتغير المعنى تمامًا؛ تصبح العين وسيلة للاستشعار، للبحث عن الأمان، وللانتماء، وتتخلى عن بريقها لتصبح مجرد أداة للنجاة.
نحن نقضي أعمارنا ونحن نحاول إخفاء مخاوفنا خلف نظارات شمسية، أو خلف الانشغال بهواتفنا، لكن حين تلتقي العيون صدفة في زاوية شارع أو ممر ضيق، يسقط كل ذلك الزيف.
تخرج الحقيقة في جزء من الثانية: شوق، نفور، حنين، أو خيبة. وفي لحظتها الصادقة، لا تكون العين عضوًا للإبصار، بل نافذة للعبور؛ لا تخبرنا عن لون الأشياء، بل عن ثقلها في قلوب أصحابها.
الفرق الوحيد بيننا أن البعض يملك شجاعة النظر في المرآة دون أن يرمش، والبعض الآخر يعيش عمره وهو يتفادى لقاء عينيه في الزجاج.
لقد قرأت في عيون العابرين قصصًا لم تُكتب في الكتب، لكنني سأكتفي بهذا القدر من البوح، وأترك لبريق عيونكم أن يكمل المشهد.
فما الذي قالته عيونكم اليوم، وحاولتم أنتم إنكاره؟










































