اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - من يستهدف ثقة الأردنيين بوطنهم، ويسعى إلى تحويل علاقاتهم بأشقائهم إلى سلسلة من الخصومات، يجب أن يواجه موقفاً واضحاً: أمن الأردن واستقراره ومصالحه ليست مادة للعبث، وعلاقاته العربية لا تُترك لمن يريد إعادة رسمها بمنشور محرّض أو رواية مبتورة. وللأردن حق كامل في كشف أي استهداف يثبت بالدليل، وملاحقة المتورطين فيه، وتسمية المسؤولين عنه على أساس وقائع موثقة.
فالتحريض الذي يدفع نحو أزمة مع كل دولة عربية يطال مصالح تتجاوز الشاشات. إنه يمس أرزاق أردنيين، وفرص شباب، وحركة تجارة، وروابط اجتماعية، وتعاوناً تحتاجه المنطقة في مواجهة اضطراباتها. ومن يستخف بهذه الكلفة، أو يتعامل معها بوصفها ثمناً مقبولاً لتحقيق انتشار أو مكسب سياسي، يتحمل مسؤولية ما يدفع الناس إليه.
وحين يُعاد اقتطاع المواقف من سياقها، وتُحمّل التصريحات ما لا تحتمل، وتُقدَّم إساءة فردية باعتبارها موقف شعب أو دولة، يصبح التدقيق واجباً وطنياً. المطلوب أن نعرف كيف بدأت الرواية، ومن ضخّمها، وما الأدوات التي استخدمها، وهل تقف وراء انتشارها صلات تنظيمية أو تمويلية. هذه أسئلة ينبغي أن تصل إلى إجابات، وألا تضيع وسط جولة جديدة من الغضب.
أما احتمال وجود جهات خارجية أو دولية وراء حملات تستهدف الأردن، فهو أمر يستحق التحقيق الجاد، لكن تحويله إلى اتهام محدد يحتاج إلى دليل. فخطورة الاتهام تفرض قوة الإثبات، خصوصاً عندما يكون الهدف حماية استقرار البلد وعلاقاته. والرد الحاسم يبدأ بكشف من فعل ماذا، وبأي وسيلة، ولحساب من، ثم اتخاذ الإجراءات التي تقتضيها النتائج.
ولا يكفي أن نعرف من يستفيد من التوتر لنقرر أنه من صنعه. فالمستفيد قد يستثمر موجة قائمة، وقد تتلاقى مصالح أطراف مختلفة على تضخيمها، وقد تمنحها حسابات محلية انتشاراً أوسع دون أن تدرك غايتها. لذلك فإن تفكيك أي حملة يحتاج إلى متابعة مصادرها ومساراتها، حتى تقع المسؤولية على أصحابها، ولا يتسع الاتهام ليصيب من لا صلة له بها.
الأردن دولة ذات قرار وسيادة، وله أن يتفق ويختلف وفق مصالحه ومبادئه. وليس مطلوباً منه أن يرضي كل طرف، أو أن يقدم تفسيراً لكل حساب غاضب. لكن من حق مواطنيه أن يعرفوا الحقائق التي تحمي موقفهم، ومن واجب المؤسسات أن تقدم لهم رواية دقيقة ومدعومة بالمعلومات المتاحة، تقطع الطريق على محاولات استغلال الغموض وتحويله إلى شكوك وعداوات.
والرد الأقوى على الاستهداف يتطلب أكثر من لغة غاضبة. يتطلب توثيقاً مهنياً، وقدرة على تتبع النشاط المنسق، ومخاطبة المنصات بالأدلة، وملاحقة المخالفات عبر المسارات القانونية المختصة، وتحركاً دبلوماسياً متى أثبتت الوقائع ما يستدعيه. فعندما تتحدد الجهة والمسؤولية، يصبح الموقف أكثر تأثيراً، وتفقد الحملة قدرتها على الاختباء خلف أسماء مستعارة وضجيج متبادل.
وفي الداخل، يجب أن يكون الموقف بالوضوح نفسه: النقد حق، واختلاق الوقائع يستوجب المساءلة. والاختلاف مع سياسة عامة لا يمنح أحداً حق التحريض على المجتمع أو الإساءة إلى مكوناته، كما أن الادعاء بالدفاع عن الأردن لا يبرر إهانة الشعوب العربية. فحماية الوطن تقتضي معرفة أين نوجّه غضبنا، وكيف نحفظ مصالحه من ردود فعل قد تخدم خصومه.
من ينشر إساءة إلى بلد عربي باسم الغيرة على الأردن قد يمنح المحرّض ما كان يبحث عنه: مادة تُقتطع بدورها، وتُقدَّم في الطرف الآخر بوصفها موقفاً أردنياً عاماً. هكذا تتغذى الفتنة من ردود متلاحقة، ويصبح الجمهور وقوداً لخصومة لم يخترها. وكسر هذه الحلقة يحتاج إلى وعي يحصر المسؤولية، ويرفض الانجرار، ويُبقي العلاقات بين الشعوب أكبر من الحسابات المسيئة.
وللإعلام هنا مسؤولية لا تحتمل التهاون. فإعادة نشر مادة تحريضية بلا تحقق قد تمنحها قوة لم تكن تملكها، والعنوان الذي يوسّع إساءة فردية إلى أزمة بين بلدين يشارك في صناعة الضرر. والمهنية تفرض فحص المصدر والسياق، وتقدير ضرورة النشر، وتصحيح الخطأ بوضوح، ومتابعة ما يثبت من نشاط منظم حتى تتكشف صورته للجمهور.
الثقة بالأردن ومؤسساته يجب أن تتحول إلى سلوك يحميه: معلومة تُراجع، واتهام لا يُطلق جزافاً، وإساءة لا تُقابل بعقاب جماعي، ومصلحة وطنية تتقدم على لذة الانتصار في سجال عابر. فتماسك الداخل يضيق مساحة الاختراق، وحسن إدارة الخلاف يحرم المحرّضين من تحويله إلى قطيعة.
الأردن ليس ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين، ولن تُصان سيادته بالصمت عن استهداف يثبت، ولا تُحمى علاقاته باتهامات بلا سند. من يخطط للإضرار به يجب أن يُكشف، ومن يموّل التحريض عليه يجب أن تُثبت صلته ويُلاحق وفق القانون. أما قرار الأردن، وأمنه، وصلاته بأشقائه، فتبقى شأناً تحكمه إرادته ومصالحه، لا أجندة من يريد إشعال المنطقة بخصومة جديدة كل يوم.












































