اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ١٢ أيلول ٢٠٢٦
#سواليف
على مدى ست سنوات، نجحت الإسبانية أليسيا إستيف في بناء شخصية وهمية باسم «تانيا هيد»، وقدمت نفسها باعتبارها إحدى الناجيات من هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، قبل أن يكشف تحقيق صحفي في عام 2007 أن قصتها مختلقة بالكامل.
لم تكن الحكاية مجرد ادعاء عابر؛ فقد تحولت هيد إلى شخصية عامة حظيت بالتكريم والاهتمام، ووصلت إلى رئاسة جمعية للناجين من مركز التجارة العالمي، كما التقت عمدة نيويورك آنذاك رودي جولياني.
وزعمت هيد أنها كانت موجودة في الطابق الـ78 من البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي عندما اصطدمت الطائرة بالمبنى، وأنها تمكنت من النجاة من المنطقة الواقعة فوق نقطة الاصطدام، وهي رواية جعلتها واحدة من أبرز الشخصيات المرتبطة بقصص الناجين من الهجمات.
ولزيادة قوة روايتها، قدمت تفاصيل إنسانية مؤثرة، من بينها أنها كانت مخطوبة لموظف في شركة «ديلويت» يدعى ديفيد سكوت سواريز، وأنه قُتل في الهجوم، كما تحدثت عن رجل كان يحتضر أعطاها خاتم زواجه لتوصله إلى أرملته، وعن شخص آخر ساعدها على النزول من المبنى رغم اشتعال ملابسه بالنيران.
لكن القصة بدأت بالانهيار عام 2007، عندما نشر صحفيان من صحيفة «نيويورك تايمز» تحقيقاً أثار تساؤلات جدية بشأن روايتها.
وكشف التحقيق أن هيد، واسمها الحقيقي أليسيا إستيف، كانت في برشلونة بإسبانيا يوم وقوع الهجمات، حيث كانت تدرس للحصول على درجة الماجستير، كما لم تكن قد زارت مركز التجارة العالمي قبل ذلك، وفق ما توصل إليه الصحفيان.
كذلك لم تجد الصحيفة ما يثبت روايتها بشأن خطوبتها من ديفيد سكوت سواريز، إذ لم تكن عائلته أو شركته على علم بوجود علاقة بينهما.
وبعد انكشاف الحقيقة، انهارت الشخصية التي بنتها إستيف على مدى سنوات، وأصبحت قصتها واحدة من أشهر حالات انتحال صفة ناجٍ من كارثة جماعية.
وبعد نحو 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر، عادت قصة «تانيا هيد» إلى الواجهة من خلال الفيلم الوثائقي الإسباني «الناجية»، للمخرج كيكي مايلو، الذي يعيد تناول القضية ويحاول البحث في كيفية تمكن إستيف من الحفاظ على هويتها المختلقة طوال تلك السنوات دون أن تثير شكوكاً جدية.
وتعيد القصة إلى الأذهان قضية إسباني آخر هو إنريك ماركو، الذي انتحل صفة ناجٍ من معسكر الاعتقال النازي فلوسنبرغ، وتولى في وقت لاحق رئاسة جمعية مرتبطة بضحايا معسكرات الاعتقال النازية، قبل أن تنكشف حقيقة قصته.
بين القصة المفبركة والأسئلة الحقيقية
تكشف قضية تانيا هيد كيف يمكن لرواية شخصية مؤثرة، عندما تترافق مع تفاصيل إنسانية وصور عاطفية، أن تكتسب مصداقية واسعة قبل إخضاعها للتدقيق.
لكن انكشاف هذه القصة لا يعني صحة الروايات الأخرى التي تحيط بهجمات 11 سبتمبر، ولا يقدم دليلاً على نظريات المؤامرة التي ظهرت بعد الهجمات.
فبعض الأسئلة والملفات المرتبطة بالهجمات ظلت موضع بحث ونقاش، في حين ثبت خطأ العديد من الادعاءات التي انتشرت على مدار السنوات الماضية.
ومن بين أكثر القضايا التي أثارت الجدل انهيار مبنى «7 مركز التجارة العالمي»، الذي انهار في اليوم نفسه من دون أن تصطدم به طائرة، قبل أن تخلص التحقيقات الهندسية إلى أن الحرائق غير المسيطر عليها لعبت دوراً أساسياً في انهياره.
كما انتشرت ادعاءات بشأن قدرة وقود الطائرات على إذابة الفولاذ، بينما خلصت التحقيقات إلى أن انهيار المباني ارتبط بمجموعة من العوامل، بينها الأضرار الناجمة عن اصطدام الطائرات والحرائق وارتفاع درجات الحرارة التي أضعفت العناصر الإنشائية.
وفي المقابل، هناك ملفات موثقة لا ترتبط بنظريات المؤامرة، وفي مقدمتها الآثار الصحية طويلة الأمد للهجمات على الناجين وعمال الإنقاذ والسكان.
وتشير تقديرات وبرامج صحية رسمية إلى أن آلاف الأشخاص توفوا لاحقاً بسبب أمراض مرتبطة بالتعرض للغبار والمواد السامة التي انتشرت عقب انهيار البرجين، إضافة إلى أعداد كبيرة من المصابين بأمراض مزمنة.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، عادت قضية الآثار الصحية إلى الواجهة في نيويورك بعد نشر عشرات الآلاف من الوثائق المتعلقة بجودة الهواء في أعقاب الهجمات، وسط دعوات لمواصلة التحقيق في المسؤولية عن التعامل مع المخاطر الصحية التي أعقبت الكارثة.
وهكذا، بقيت هجمات 11 سبتمبر بعد ربع قرن حاضرة في الذاكرة العالمية، بين وقائع موثقة، وملفات صحية لا تزال آثارها مستمرة، وروايات شخصية ثبت اختلاق بعضها، ونظريات مؤامرة لم تثبتها الأدلة.
وتبقى قصة تانيا هيد واحدة من أكثر الأمثلة وضوحاً على قدرة الرواية المختلقة على اكتساب سلطة اجتماعية وإعلامية كبيرة، قبل أن يكشف التحقيق الدقيق أنها لم تكن ناجية من الهجمات أصلاً.












































