اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
عاصم عبد الفتاح
بدأت القصة عندما بُوِّئ لإبراهيم مكان البيت، وأُختير له موضع في وادٍ غير مأهول بالحياة، حيث لا بشر، ولا كلأ، ولا موارد. ثم رُفع البيت بعد حين، والذي أصبح للناس بوصلةً روحانية، تهتدي بها أرواحهم، ومرجعاً يلجؤون إليه حين تضيق بهم الحال، وحصناً منيعاً من شرور الدنيا وآفاتها المعنوية والجسدية؛ فمن دخله كان آمنًا. ثم أُذِّن في الناس بالحج، كشعيرة تكتنز في مضمونها، وخلال أدائها، العديد من العبر والدروس التي يستنير بها الإنسان المتأمل.
يستلهم المرء أن معنى المساواة بين البشر ركن أساسي في هذه الرحلة؛ فالكل، باختلاف لغاتهم وألوانهم وأعراقهم وطبقاتهم، يتحدون بلباس واحد، صوب مكان واحد، قاصدين ربًا واحدًا.
وقد تأثر مالكوم إكس بهذا المعنى حين رآه يُطبَّق واقعًا حيًا، في وحدة اللباس، ومشاركة المسكن بين الأسود والأبيض والعربي والأعجمي، ومشاركة المأكل والمشرب والمجلس، مما عمّق فهمه لجوهر رسالة الإسلام في إرساء معنى المساواة بين البشر.
ويُذكر أنه كان يعتقد أن هذا الدين في الولايات المتحدة قد وُجد للسود لمواجهة تطرف البيض، حتى شهد في الحج صورة أخرى للإنسانية، أوسع من التصورات الضيقة وأرحب من التصنيفات العرقية، بل جسراً يقرب شعوب العالم من بعضها البعض، ويلين سريرة الإنسان على الإنسان.
هنا، في هذه الشعيرة، تتجلى أعظم مقاصد الإنسانية. ولعل معنى الميلاد الجديد للحاج يتمثل في تجرده من منصبه، وأمواله، وكل أمور الدنيا، وتساويه مع الآخرين؛ كما كان ميلاد الإنسان أول مرة، فالناس يولدون سواسية، وفي الحج يعودون إلى هذه الفطرة، على كف المساواة.
ويتجلى مفهوم آخر، وهو كرم العرب وحفاوتهم في استضافة ضيوف الرحمن، إذ يعدّونه من ضروب الشرف والسؤدد. فقديمًا تولى أهل مكة مهام السقاية والرفادة، واستمرت هذه الفضيلة حتى شهدنا في عصرنا أروع أمثلة «كرم الاستضافة»، التي تجسدها أجهزة الدولة في استنفارها وتسخير جهودها لضمان راحة الحاج وسعادته وأمنه وصحته، وانسيابية أدائه للمشاعر.
وليس ذلك فحسب، بل يشعر كل مدني وعسكري بأن هذه الأمانة وسام تكليف قبل أن تكون تشريفًا، فيتسابق أبناء الوطن في التطوع ودعم الجهود التنظيمية. وهذا المعنى الجليل يجسد كرم النفس، ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان، وترسيخ قيمة الاستخلاف في الأرض بما يعمرها معنويًا وماديًا.
ويتجلى كذلك معنى الرزق، حينما يسوقه الله إلى وادٍ غير ذي زرع، فيصبح ـ بين ما قبل دعوة إبراهيم وما بعدها ـ مكانًا تُجبى إليه ثمرات كل شيء. أرض كانت قاحلة مجهولة، ثم صارت مأهولة، تهوي إليها أفئدة الناس، وتشتاق أرواحهم إليها وإلى زيارتها، بل وتتوجه وجوههم نحوها كل يوم.
وتلك عظمة الدعاء، حين يحوّل الأرض الجدباء إلى موضع حياة، ويغير من الظروف الشديدة إلى ظروف مواتية للعيش الطيب الهنيء.
ومن أعظم المعاني أيضًا قوة اليقين، حين تجسدت في قول هاجر: «آلله أمرك بهذا؟ إذن لا يضيعنا». وينطوي هذا المعنى على اقتران اليقين ببذل السبب، ولو صدر بجهد قليل؛ حيث حصل السعي بين الصفا والمروة، وبرزت فكرة مؤداها أن التحام اليقين مع السعي، يفضي إلى أروع النتائج؛ متجسدةً في شربة هنيئة من بئر زمزم الذي لم ينقطع معينها منذ ذلك الحين.
بعد كل هذه المعاني الرفيعة، يأتي رافد إنساني يعزز جميع هذه النعم، يتمثل في شكر النعمة والاستمتاع بها، وتقديم الأضحية، واستحضار أن منها نصيبًا واجبًا للبائس الفقير؛ ليبقى الحج، في جوهره، شعيرة تعبّد، ومدرسة إنسان، وذاكرة حضارة، وثقافة رفيعة يعتد بها ويستند عليها.










































