اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ تموز ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
من إسعاف المحزون المبادرة ببشارته إذا تبيّن للمبشّر اندفاع السوء عن المحزون، وتحقّق ما يرجوه، وانحسامُ مخاوفه، فهذه منّة جليلة لا تقدر بثمن، وكذلك تهنئة من أذهب الله عنه الحزن، وعافاه من بلوى أصابته، فتهنئته تُعينه على تخطّي آثار الألم ونسيانه، وتجلب له الفرح والسعادة، وتُعينه على استعادة معنويّاته..
يتعرض الإنسانُ في حياته إلى ما كُتِبَ عليه من الجروح والصَّدمات النفسية، ومن هذه الجروح ما هو أكثر إيلاماً من جراحاتِ البدنِ، وهذه الجروح بحاجةٍ إلى تضميدٍ وعلاجٍ وإسعافٍ بحسب حالاتها، وبقدرِ ما قدِّم للإنسان من هذه المساعدات يتمكن -بفضل الله تعالى- من التعافي منها، وكلّما أهمله من حوله وتجاهلوا معالجته تفاقمت عليه الآلام، وطالت مصاحبتها له؛ ولهذا كان من حق المتألّم نفسيّاً أن يقابَل بما يخفف عليه الصدمة، ومن عناية الشرع الحنيفِ بمصالح الناس ما تضمنه من أساليب جبر الخواطر المنكسرة، وما تزخر به نصوص الوحيين من الحضّ على معالجة جراحات النفوس؛ ولهذا كانت الكلمة الطيبة ذاتَ قيمةٍ بالغةٍ، كما يدلُّ عليه حديث أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»، متفقٌ عليه، وهذه القيمةُ ملازمةٌ للكلمةِ الطيبةِ في أي مقامٍ قيلت، وتزداد أهميتها وقيمتها إذا قيلت علاجاً لصدمةٍ نفسيّةٍ وإسعافاً لمن أُصيب بما يؤلم قلبَه، فينبغي للمسلم أن يكون دائمَ الانتباه لمن حولَه، فإذا علم أنَّ أحد إخوانِه قد واجه ما يكدِّرُ خاطره، بادر بإسماعه ما يُهوّن عليه انزعاجه، فهذا موقفٌ نبيلٌ لا يسوغُ التفريط فيه، ولي مع إسعاف المحزون وقفات:
الأولى: جبر الخواطر حقٌّ للمكروب والمحزون على إخوانه ممن حولَه، فإذا كان المحزون مريضاً فمن حقّه جبر خاطره بالعيادة وبالكلمة الطيبة، أما العيادة فلها وقعٌ حسنٌ على نفسه؛ ولهذا ينال من فعلها أجراً جزيلاً، فعَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ»، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا»، أخرجه مسلمٌ، وأما الكلمةُ الطيبة فمن حقه أن يُسمعه إخوانه ما يُثلج صدره من الأماني الطيبة، والكلام الحسن، مما يرفع معنويّاته، ويقوّي في قلبه رجاءَ الخير والسّلامةِ، مع التذكير بأنَّ الذي ألمَّ به يُرجى -بإذن الله تعالى- أنّه كفارةٌ لذنوبِه، ففي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: «لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، أخرجه البخاري، وإن كانَ المحزون قد فقدَ بعض أحبابه، فمن المشروع تعزيته وإسماعه ما يعينه على الصبر، فيذكَّر بأن فقيده يُرجى أنه انتقل إلى رحمة الله تعالى، وأنَّ الله تعالى أرحم بعبده الميت من صفيّه الحيِّ، وأفضل للحيِّ من صفيّه الميت، كما يُذكّره بالأجر العظيم الذي يناله من فقد حبيباً وصبر واحتسب؛ ولأهمية هذا العمل نُدب إليه المسلمون، ووُعِدَ من قام به بالثوابِ الجزيل، فعن عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ رضي الله تعالى عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليهِ وسَلمَ أَنَّهُ قَالَ: (مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلاَّ كَسَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَة)، أخرجه ابن ماجه، وحسنه الألبانيُّ.
الثانية: من إسعاف المحزونِ المبادرة ببشارتِه إذا تبيّن للمبشّرِ اندفاعُ السوء عن المحزونِ، وتحقُّقُ ما يرجوه، وانحسامُ مخاوفه، فهذه منّةٌ جليلةٌ لا تُقدّرُ بثمنٍ، وكذلك تهنئة من أذهب الله عنه الحزن، وعافاه من بلوى أصابته، فتهنئته تُعينه على تخطّي آثار الألم ونسيانه، وتجلب له من الفرح والسعادة ما هو بحاجةٍ إليه، وتُعينه على استعادة معنويّاته، وقد اجتمع الإسعاف بالبشرى وبالتهنئة في قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه حين تابَ الله عليه، بعد تخلُّفه عن جيش العسرة، فقد قال في الحديث المتفقِ عليه: (فَبَيْنَما أَنَا جَالِسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا)، ثم ذكر أنَّ طلحةَ لقيَه وصافحه وهنّأه، ثمَّ قال: (وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ).
الثالثة: كما أنّه من المشروع والمستحسنِ عرفاً إسعاف المحزون بما يُزيحُ عنه الحزنَ، فبالمقابل يُستهجنُ شرعاً وعرفاً أن يُتلقّى المحزون بالإساءةِ، فما هذا إلا بمثابة التطاول على الجريح بالضرب والجلد، وعلى هذا فليست أوقات الآلام فرصةً للتشفّي ولا لتصفية حساباتٍ شخصيّةٍ، بل المروءة تُوجب على الإنسانِ أن يعرف متى يُحاسب أخاه، وقد عبَّر عن هذا شعراء العرب، فهذا أحدهم كانت بينه وبين ابن عمه خصومةٌ، ثمّ سمع أنّ مكروهاً حلَّ به، فقال يتألّم له:
لمّا أتانِي عن عُيَينةَ أنّه
أمْسَى عليه تَظَاهَرُ الأَقْيادُ
نَخَلَتْ له نَفْسي النَّصِيحةَ إنّه
عندَ الشدائدِ تَذْهَبُ الأَحْقادُ.










































