اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
حين تشهق الجيوب من طحين الأيام، وتضيق الحارات بأهلها، نلجأ إلى ذلك الركن المضيء بلا مبالغة، حيث تتدلى اللافتات الملونة صارخة بالبشارة: 'كل شي داخل المحل بدينار ، أو نص دينار'.
ولم تظهر هذه المتاجر من فراغ، بل هي وليدة مسار طويل من التحولات الاقتصادية والاجتماعية؛ فمع تآكل الطبقات الوسطى، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للعملات تحت وطأة الأزمات المتتالية، وجدت الأسواق نفسها أمام فجوة واسعة بين أجور ثابتة وأسعار تحلق عالياً. حين عجزت الجيوب عن ملاحقة غلاء المعيشة، انفتحت شهوة المدينة على بدائل تنقذ ما يمكن إنقاذه؛ فظهرت هذه الفضاءات كاستجابة موضوعية، وكملاذ أخير لإعادة تدوير البضائع وفائض المصانع، لتصنع لنفسها موطئ قدم راسخ في قلب المشهد الاستهلاكي المعاصر.
يا لغرابة هذا المكان! ليس مجرد دكان تترصف فيه السلع، بل هو مغارة أسرار شعبية، ومرسى أخير لمن أعياهم الركض خلف أسعار تكاد تلامس الغيوم. هناك، على تلك الأرفف المزدحمة بالكراكيب والجمال الخفي، يسقط عقل الحساب وتتهاوى دفاتر الديون.
تدخل وفي صدرك ضيق الثقل، فإذا بالبصر يقع على صينية صيني منسية، أو فنجان يحمل نقشاً عتيقاً، فكأنما عثرت على كنز في جزيرة مهجورة.
وما أشد العجب حين تقودك الصدفة بين تلك الأرفف العشوائية لتصطدم بـ 'درة منسية'؛ قطعة أصلية نادرة، أو تحفة فنية لا تُعرَض إلا في واجهات المتاجر الفاخرة، أو أداة متقنة الصنع حطت رحالها بالخطأ في كرتونة كراكيب رخيصة. تقلبها بين يديك مذهولاً وأنت تطالع السعر المدون عليها أو تفترض زهده، متسائلاً بابتسامة حائرة: كيف انتهى هذا الجمال الفريد إلى هنا، وليُباع بخمسين قرشاً فقط؟!
إنها مغامرة تنقيب حقيقية تمنحك شعور المستكشف، وتزيد المكان سحراً وغموضاً.
وإلى جانب هذا كله، تمد هذه المحلات أيديها بصمت لتربّت على كتف العائلات الفقيرة والمعدمة؛ فهي لا تبيع مجرد كماليات رخيصة، بل تمنح الأسر ذات الدخل المحدود القدرة على تأمين أبسط احتياجات منازلهم من أدوات مطبخ وأوانٍ ومنظفات بأسعار زهيدة لا تثقل كاهل ميزانيتهم المنهكة. إنها ترفع عنهم حرج العجز وتكسر طوق الحرمان، مانحةً إياهم فرصة إظهار بيوتهم بمظهر لائق وكريم دون الحاجة للاستدانة أو التذلل للديون، لتتحول هذه الدكاكين إلى شبكة أمان اجتماعي شعبية تخفف قسوة الفقر وتحفظ ماء وجه العائلات البسيطة.
وما إن تمسك بالسلع وتتجول بين الممرات، حتى يغمرك إحساس جارف بالبهجة والتحرر.
في هذه الدكاكين البسيطة، يستعيد الإنسان تلك السيطرة المفقودة؛ فهنا لا تقف حائراً تحسب الفاتورة بقلق، ولا تخذلك الأرقام حين تطالع الأسعار الباهظة. إنها 'جرعة دوبامين' سريعة ومتاحة، تمنحك شعور الطفل الذي مُنح حرية اختيار لعبته الخاصة من متجر الألعاب.
البهجة هنا لا تنبع من قيمة الغرض المادي، بل من ذلك الوهم الجميل بالوفرة، ومن تلك القدرة المؤكدة على شراء السعادة، وإرضاء الخاطر، وانتزاع ضحكة صغيرة من قسوة الأيام بخمسين قرشاً فقط.
وما أجمل تلك اللحظة التي ترتفع فيها نبرة البائع وهي تشق الزحام: 'قرب يا بلاش ريح بالك ودينارك بوخذ البيت كله!'، فتتحرك الأقدام مجذوبة بنغمة الفرح البسيط. تتكدس الأكياس في الأيدي، لا لأننا نحتاج كل ما فيها، بل لأننا نحتاج تلك الخفة المباغتة؛ إحساس أننا ما زلنا نمتلك شيئاً، وأننا قادرون على الحياة بكامل تفاصيلها الصغيرة.
إنها ليست بضاعة تباع وتُشترى، بل هي طوق نجاة، ودفقة دفء نستر بها عري الجيوب، لنعود إلى بيوتنا نُرمّم ما تشقّق من بهجة الأيام.












































