اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
خالد بن شنين العنزي
في عالم تتسابق فيه الشركات على جذب العملاء وتتنافس فيه المؤسسات على تقديم أفضل الخدمات لم يعد التميز مرتبطًا بجودة المنتج أو حجم الاستثمار أو قوة العلامة التجارية وحدها بل أصبح مرتبطًا بشيء أكثر عمقًا وتأثيرًا وهو الرحلة التي يعيشها العميل منذ اللحظة الأولى التي يتعرف فيها على المنشأة وحتى آخر تفاعل يجمعه بها
إن رحلة تجربة العميل ليست مجرد خطوات إجرائية تبدأ بطلب خدمة وتنتهي بتنفيذها بل هي سلسلة من المشاعر والانطباعات والمواقف التي تتراكم في ذاكرة العميل لتصنع في النهاية قرارًا قد يكون بداية علاقة طويلة أو نهاية ثقة يصعب استعادتها
العميل لا يتذكر دائمًا ما قدمته له لكنه يتذكر جيدًا كيف جعلته يشعر
وهنا يكمن الفرق الحقيقي بين مؤسسة تقدم خدمة ومؤسسة تصنع تجربة
قد تمتلك الشركة أحدث الأنظمة وأفضل التقنيات وأكبر فرق العمل لكنها تخسر عميلًا بسبب موظف لم يحسن الاستماع أو وعد لم يتم الوفاء به أو شكوى لم تجد من يتبناها بجدية
وفي المقابل قد تكسب مؤسسة عميلًا مدى الحياة بموقف بسيط يحمل الاحترام والاهتمام وسرعة الاستجابة
إن رحلة العميل تبدأ قبل أن يدخل مقر الشركة أو يستخدم تطبيقها أو يتواصل مع موظفيها فهي تبدأ من الصورة الذهنية التي ترسمها المؤسسة في المجتمع ومن الوعود التي تقدمها في إعلاناتها ومن السمعة التي يصنعها عملاؤها السابقون
ثم تنتقل الرحلة إلى مرحلة التفاعل الحقيقي حيث يختبر العميل مدى صدق تلك الوعود وهنا تبدأ لحظة الحقيقة التي تكشف الفارق بين ما تقوله المؤسسة وما تمارسه على أرض الواقع
أخطر ما تواجهه المؤسسات ليس العميل الذي يشتكي بل العميل الذي يغادر بصمت
فالشكوى في جوهرها ليست دائمًا تعبيرًا عن عدم الرضا بل قد تكون فرصة يمنحها العميل للمؤسسة حتى تصحح أخطاءها وتستعيد ثقته
أما العميل الذي يغادر دون أن يتحدث فقد يحمل معه تجربة سلبية ينقلها إلى الآخرين دون أن يمنح المؤسسة فرصة لفهم أسباب رحيله
ولهذا فإن المؤسسات الناجحة لا تقيس تجربة العميل بعدد الشكاوى المغلقة فقط بل تقيسها بمدى معالجة الأسباب التي صنعت تلك الشكاوى من الأساس
إن إغلاق البلاغ لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة كما أن سرعة الرد لا تعني دائمًا جودة الحل فالعميل يبحث عن نتيجة عادلة وشعور حقيقي بأن صوته مسموع وأن وقته محل تقدير
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم خدمة العملاء إلى مفهوم إدارة رحلة العميل الشاملة حيث تصبح التجربة مسؤولية مشتركة بين الإدارة العليا والعمليات والتسويق والتقنية والموارد البشرية وجميع الإدارات التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في حياة العميل
فلا يمكن أن نطالب موظف الصف الأمامي بصناعة تجربة استثنائية بينما تعمل خلفه إجراءات معقدة وصلاحيات محدودة وأنظمة لا تساعده على اتخاذ القرار
تجربة العميل الناجحة تبدأ من داخل المؤسسة قبل أن تصل إلى العميل خارجها
فالموظف الذي يشعر بالتقدير والتمكين ووضوح المسؤوليات يصبح أكثر قدرة على تقديم خدمة إنسانية واحترافية
كما أن القيادة التي تستمع إلى صوت العميل وتتعامل مع ملاحظاته بوصفها مصدرًا للتطوير تستطيع تحويل التجارب السلبية إلى فرص حقيقية للتحسين والابتكار
وفي ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحت المؤسسات تمتلك أدوات متقدمة لتحليل سلوك العملاء والتنبؤ باحتياجاتهم وتخصيص الخدمات لهم ولكن التقنية مهما بلغت من التطور لا تستطيع وحدها صناعة الولاء إذا غابت عنها القيم الإنسانية
فالعميل قد يفضل خدمة رقمية سريعة لكنه عندما يواجه مشكلة معقدة يحتاج إلى من يفهم موقفه ويتعامل معه بمرونة ومسؤولية
ولذلك فإن مستقبل تجربة العميل لا يقوم على استبدال الإنسان بالتقنية بل على بناء تكامل ذكي يجمع بين سرعة الأنظمة وحكمة الإنسان
وفي المملكة العربية السعودية ومع التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها القطاعات المختلفة في ظل رؤية السعودية 2030 أصبحت تجربة العميل عنصرًا مهمًا في رفع جودة الحياة وتعزيز تنافسية المنشآت وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين والزوار
ولعل التحدي الأكبر أمام المؤسسات اليوم ليس في استقطاب عملاء جدد فحسب بل في المحافظة على العملاء الحاليين وتحويل رضاهم إلى ثقة وثقتهم إلى ولاء وولائهم إلى سمعة مؤسسية مستدامة
إن بناء رحلة عميل ناجحة يتطلب أن تنظر المؤسسة إلى خدماتها بعين العميل لا بعين إجراءاتها الداخلية وأن تسأل نفسها باستمرار هل كانت رحلة العميل سهلة وهل احترمنا وقته وهل وفينا بوعودنا وهل تركنا لديه انطباعًا يجعله يرغب في العودة
وفي الختام
إن المؤسسات العظيمة لا تُقاس فقط بحجم أرباحها ولا بعدد فروعها ولا بقوة حضورها في الأسواق بل تُقاس أيضًا بالأثر الذي تتركه في نفوس عملائها
فكل اتصال وكل زيارة وكل شكوى وكل وعد يمثل محطة في رحلة قد تبني علاقة تمتد لسنوات أو تهدم ثقة بُنيت عبر سنوات
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل مؤسسة على نفسها
هل نصمم رحلة العميل لتناسب أنظمتنا أم نصمم أنظمتنا لتناسب رحلة العميل؟
فالعميل قد ينسى تفاصيل الخدمة لكنه لن ينسى التجربة التي جعلته يشعر بأنه محل اهتمام وتقدير
ومن هنا تبدأ صناعة الولاء الحقيقي










































