اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
في بعض معتقدات أهل سيام، وهي تايلاند حالياً، يحظى الفيل الأبيض بمكانة خاصة وقداسة ويحرم قتله ويمنع استخدامه في الأعمال الشاقة كبقية الفيلة، وقد تصل عقوبة إيذائه أو قتله حد الإعدام. ويروى أن ملك سيام كان إذا غضب على أحد وزرائه أهداه فيلاً أبيض ليربيه ويلتزم بالصرف عليه لسنوات طويلة، مما كان يستهلك ميزانية الوزير ويرهق كاهله. كان الأمر أشبه بتعذيب مستمر في صيغة مكافأة.. والسؤال الذي تحاول مقالة اليوم مناقشته هو: هل لديكم في منظمتكم فيل أبيض؟
في عالم الإدارة وفي المنظمات المختلفة، يتواجد الفيل الأبيض في أشكال متعددة.. قد يكون مشروعاً كبيراً راهنت عليه الإدارة العليا وصرفت عليه المبالغ الضخمة وأثبت فشله، ولكن القياديين لا يمتلكون الشجاعة لإيقافه أو التحدث بصراحة مع الإدارة العليا حول خطورة الاستمرار.
وفي حالات أخرى، قد يكون الفيل الأبيض مشروعاً أو منتجاً أو تقنية نجحت في الماضي، ولكن بدأت تتراجع في أدائها، ومن الواضح مع تغير الزمن والسوق والابتكارات أنها ستندثر. ومع ذلك، يخاف الجميع من تكلفة التغيير والمقاومة العنيفة له. ومن الطبيعي أن يدافع المنتفعون والمتكسبون من الوضع الحالي عن الطريقة القديمة، لأن التجديد سيعني فقدانهم للتحكم والسيطرة.
وقد يكون الفيل الأبيض أساليب عمل تتمسك بها قيادات ساهمت بقوة في أزمنة ماضية، ولكن قراراتها المنصبة على حماية الطرق القديمة لم تعد تواكب العصر الحالي. وأبسط مثال هو فريق كرة قدم يصر على إشراك لاعب لم يعد قادراً على الركض وتنفيذ الخطط، اعتماداً على إنجازاته السابقة وليس مستواه الحالي.. والمشكلة هنا ليست في عمر الإنسان، بل في قدرته على التعلم والتجدد والعطاء.
ومن أكبر أسباب استمرار هذه الأوضاع التخوف من ردة فعل الإدارة العليا، والمحاباة، ومحاولات تصفية الحسابات ضمن الصراعات الداخلية، من منطلق الولاء والمحسوبية وليس المصلحة العليا للمنظومة..
والسؤال هنا: كيف نتعامل مع الفيل الأبيض؟
أولاً: الشجاعة في توضيح الحقائق بلا تجميل. لا داعي لتسمية خسائر المشروع بمسمى 'تحديات مؤقتة' لسنوات طويلة، ولا يصبح تراجع الأداء 'مرحلة انتقالية' بلا نهاية. المطلوب أرقام واضحة، ومؤشرات محددة، ومراجعة موضوعية بعيداً عن المجاملات. ومن المهم أن يستطيع الموظف نقل الحقيقة دون أن يخشى العقوبة أو اتهامه بعدم الولاء.
ثانياً: التفريق بين تقدير للماضي والمسؤولية عن المستقبل. تكريم أصحاب الإنجازات لا يستلزم إبقاءهم في مواقع لم تعد تناسب قدراتهم. يمكن الاستفادة من خبراتهم في الاستشارة والتوجيه، مع إتاحة الفرصة لكفاءات تقود المرحلة الجديدة. حفظ الكرامة لا يتعارض مع تغيير المسؤوليات.. والأمر نفسه ينطبق على التقنيات والأساليب.
ثالثاً: نفقات الأمس ليس التزامات للغد. قد يقول أحدهم: كيف نوقف مشروعاً صرفنا عليه كل هذه الملايين؟ ولكن السؤال الأهم: كم مليوناً إضافياً سنخسر إذا استمررنا؟ الاعتراف بالخطأ ليس هدماً لهيبة القيادة، بل دليل على تحملها للمسؤولية.
رابعاً: قيادة التغيير بشكل مخطط. فقد يحتاج المشروع إلى إعادة توجيه، أو تقليص، أو شراكة، وليس بالضرورة إلى الإغلاق. المهم أن يكون القرار مبنياً على الجدوى، مع خطة انتقال تحفظ الحقوق وتضمن استمرار الخدمات الأساسية بعيداً عن الشخصنة وتصفية الحسابات.
باختصار، أخطر ما في الفيل الأبيض ليس أنه يستهلك الميزانيات والجهود ويشغل الكفاءات، ويعطل الفرص، بل خطورته الحقيقية أنه يعلّم الموظفين أن الصمت أكثر أماناً من الصراحة.. ولذلك فالقيادة الناجحة ليست في التمسك بكل قرار قديم تم اتخاذه، بل في امتلاك الشجاعة لمراجعته وتصحيحه إذا اقتضى الأمر.
وختامًا؛ تأمل حولك واسأل نفسك بكل بصراحة وصدق: 'هل عندنا فيل أبيض؟'.










































