اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
يستند وائل حلّاق في كثير من أطروحاته وتقريراته على «مغالطة الالتباس»، حيث يعمد لعدّة مفاهيم؛ يتخذ من دلالتها العامة منفذاً ليدخل من خلاله لحقل دلالات مختلف تماماً عن المجال المدروس، ثم يعلّقها بأدنى طرف لغوي - ولو كان ساقطاً - ليحتجّ لها بذلك! ويصلها بشاهد تاريخي ولو عسفه عسفاً ليتسق مع رؤيته! ومن ذلك دلالة «السنّة»؛ حيث غيّر الدلالة الاصطلاحيّة من «السنّة النبويّة» التي تعد المصدر الثاني للتشريع، ليحوّل دلالة «السنّة» إلى السنن والتشريعات والعادات التي سبقت الإسلام. مستنداً في ذلك على الأصل اللغوي، ومستشهداً بعدة شواهدٍ -عند التحقيق لا تستقيم-، وخصوصاً في مجال القضاء والتعامل بين الناس! مثل الوصل بين السنن الشرقية قبل الإسلام والسنن بعده -والتي تعني جملة التشريعات-، فيذكر وجود الصلاة والزكاة والصيام في التشريعات الشرقية ومن ثمّ يثبت الصلة! غير منتبه لسقوطه فيما عابه على المستشرقين؛ إذ جعل وجود ممارسة تعبديّة معينة حجّة لإثبات الامتداد التشريعي. وهذه هي حجج عدد من المستشرقين في ردّ الإسلام لديانات وممارسات تبناها الغرب ونسبها إليه. فضلاً عن وجود أديان وأمم كثيرة فيها «الصلاة» و»الزكاة» و»الصيام»، فهل سيصلها حلّاق بالإسلام ليتسق مع حجّته؟ وسبب وقوعه في هذا الخطأ الفادح: اطّراحه لتخصيص كيفية وقصدية ودلالة هذه العبادات، التي بها تظهر خصوصية الإسلام. إلا أن هذه الخصوصية هي الإبطال لحجّة حلّاق، التي تقطع خيط الامتداد الواهن بين الإسلام وما قبله من تشريعات!
واستكمالاً لتحريفه لدلالة السنّة يمضي طويلا مع تفصيلات هذه السنن، مؤطّراً ذهنه بعدّة أطر، أهمها الأطر السياسيّة، التي يريد من خلالها إثبات «حكم المجتمع»، وطرح نموذج «فصل السلطات» المتحقق -كما يزعم- في التاريخ الإسلاميّ، فصلاً بين التشريع، والقضاء، والتنفيذ! ولأجل ذلك تجده يسعى سعياً حثيثاً لفصل القضاء عن الشرع من حيث النشأة، مبيّناً أن هذا الأصل يُعدّ معياراً تمييزياً لمدى تحقق «فصل السلطات». فيزعم أنّ «القضاة الأوائل» لم يكونوا مطالبين بمعرفة العلوم الدينية الإسلاميّة في القرون الإسلاميّة الأولى، وإنما يلزمهم معرفة السنن بمعناها العام -فصل بين التشريع والقضاء، وفي حالة الإسلام فصل بين الدين والتشريع!-. فالسنن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عام 60 للهجرة هي كما تقدّم في مقال «سنّة زمن النبوّة عند حلّاق!»؛ تعني التشريعات والعادات والنماذج التي شاعت في الشرق الأدنى، وفي المنطقة العربيّة، وتواطئ المجتمع عليها، ولم يكن لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم أي امتياز عن باقي السنن، وليس له سلطة تشريعيّة ذات حجيّة! والتشريع اجتماعيّ لا دينيّ.
لكن الأمر لم يدم، فكيف تحوّلت السنّة من إطلاق عام دال على التشريعات الاجتماعيّة إلى حصرها في السنّة النبويّة؟ يزعم حلّاق أنّ هذا الأمر حصل على عدة مستويات، أوًلاً: تحوّل بنية المجتمع: فعلى المستوى الاجتماعيّ كانت التشريعات الإسلامية هي التشريعات الشرقيّة، وكان تطبيق تشريعات المسلمين القادمين من قبائل عربية للجهاد هي التشريعات القَبَليّة التي درجوا عليها، فالتشريعات الإسلامية -حسب زعم حلّاق- كانت تطبّق على «الغزاة» -كما يسميهم-، لا غيرهم. مقسّماً التشريع إلى قسمين حسب المحكومين: الغزاة «المجاهدون العرب»: لهم تشريعاتهم القبلية الموروثة ومناطقهم الخاصة بهم. ومن ثمّ فحكمهم ذاتي حسب موروثاتهم بتشريع يناسبهم. أمّا المغزوّين من غيرهم: لهم تشريعاتهم التي يحكمون بها ولو كانوا ممن دخل الإسلام! ويختارون «القاضي» بناء على مكانته القديمة، حيث كان «حكيماً» قبل الإسلام، لديه حكمة وخبرة وكاريزما. ويمضي حلّاق زاعماً أنَّ التعيينات الأولى للقضاة لم تكن تخصيصا للقضاء في الدولة عامّة، وإنما كانت لمدن الأمصار التي يقيم فيها الجنود العرب وعائلاتهم. وفيما بعد اتخذ منصب القضاء بعداً دينياً؛ رغم افتقار كثير منهم لتكوين فقهي موحد! فكيف حصل الوصل بين التشريع -التديين- والقضاء؟
يزعم حلّاق: لحاجة جيش المسلمين للتعليم؛ لأنهم بدو لم يألفوا بعد الدين الجديد، وما زالوا على طرق القبائل في الحكم، فقد سعى عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى إنشاء المساجد في كل مصر لتعليمهم الدين، في كل موضع للجيوش المسلمة، وارتبط القضاء بـ «القصّ»؛ حيث كان «القصّ» أهم الوظائف للقضاة الأوائل، أي سرد القصص ذات الطابع الوعظي في العموم. ومن خلال مبحث القصّ تطوّر الأمر لترسية سلطة الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور الأحاديث النبويّة! وكذا طُبعت حلقات العلم فيما بعد، والتي ستشهد تطوراً لاحقاً لتكوين منظومة متكاملة في التعليم الفقهي خاصّة. فالسنّة بعد ترسية السلطة النبوية والأحاديث النبويّة بدأت تستحوذ على دلالة «السنن»!










































