اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
من الممارسات التي بدأت تبرز في بعض البيئات الأكاديمية خلال السنوات الأخيرة تضييق مساحة الاستفادة من الخبرات الأكاديمية المتراكمة، سواء بالاستغناء عنها تدريجياً، أو عبر معايير وضوابط تنتهي أحياناً إلى إقصاء خبرات كان يمكن أن تظل رافداً مهماً للمؤسسة وأجيالها الجديدة.
ولا تكمن المشكلة في التجديد أو تمكين الجيل الجديد؛ فتعاقب الأجيال ضرورة للتطور، لكن التجديد لا ينبغي أن يعني القطيعة مع الخبرة، كما أن تمكين الجديد لا يستلزم إبعاد السابق. فالمؤسسات الأكثر نضجاً هي التي تبني جسوراً بين الأجيال، لا تلك التي تبدأ مع كل جيل من نقطة الصفر.
وفي الجامعات تزداد أهمية القضية؛ لأن عضو هيئة التدريس لا يغادر بعد عقود من العمل حاملاً مؤهلاً أكاديمياً فقط، بل معرفة تراكمية وذاكرة مؤسسية وخبرة في التعليم والبحث والإدارة وصناعة القرار. وكثير ممن يصلون إلى التقاعد تولوا مناصب قيادية، وشاركوا في مجالس ولجان، وأسهموا في بناء برامج ولوائح ومشروعات ومبادرات.
وهؤلاء يمثلون كذلك حصيلة استثمار وطني طويل الأمد؛ فقد استثمر الوطن في تعليمهم وتأهيلهم وابتعاث كثير منهم وتدريبهم وبناء قدراتهم العلمية والبحثية والقيادية. ومن ثم فإن تعطيل الاستفادة منهم لا يمثل خسارة للمؤسسة وحدها، بل فقداً لجزء من رأس مال معرفي وطني بُني عبر عقود، ما دام صاحبه قادراً على العطاء.
ومن المفارقات أن الأكاديمي قد يكون حتى آخر أيام خدمته عضواً في مجالس ولجان، ومشاركاً في صنع القرار، ثم تتغير علاقته بالمؤسسة بصورة شبه كاملة بمجرد تقاعده. والمقصود ليس استمرار المزايا الوظيفية، وإنما الحفاظ على الانتماء والصلة الأكاديمية والمؤسسية، وإتاحة الوصول إلى المكتبات وقواعد المعلومات والمنصات البحثية، والمشاركة في الأنشطة العلمية والبحثية والمجالس الاستشارية؛ وفق ضوابط واضحة؛ فالتقاعد ينبغي أن يغير طبيعة العلاقة، لا أن يقطعها.
وتبقى العملية التعليمية والتدريس من أهم مجالات هذا العطاء؛ فسنوات التدريس تبني خبرة في إيصال المعرفة وفهم الطلبة واكتشاف قدراتهم وتوجيههم أكاديمياً ومهنياً، وهي خبرة تنضج بالممارسة، ويشكل انتقالها إلى الأجيال الجديدة أحد أهم أشكال نقل المعرفة.
ولا تقف القيمة عند التدريس؛ فكثير منهم يمتلك خبرات بحثية وشبكات تعاون علمي، وأشرف على أجيال من الباحثين وطلبة الدراسات العليا، ويمكن استمرار عطائهم في البحث والنشر والمشروعات العلمية والاستشارات والتحكيم والإشراف والمناقشات.
وتقدم بعض الجامعات العالمية نماذج تستحق التأمل؛ ففي جامعات كندية وأمريكية توجد أطر تتيح لبعض الأساتذة المتقاعدين المؤهلين الاستمرار في البحث والدراسات العليا والإشراف والمشاركة العلمية وفق ضوابط محددة. والمغزى أن انتهاء الوظيفة لا يعني انتهاء القيمة.
ويمكن توسيع دائرة الاستفادة وطنياً لتشمل طلبة المرحلة الثانوية، عبر الإثراء العلمي والإرشاد الأكاديمي والمهني ورعاية البحث والابتكار والإشراف على المشروعات الطلابية واكتشاف المواهب والتهيئة للتخصص الجامعي.
ولا يعني ذلك إعادة المتقاعدين إلى المواقع التنفيذية أو تعطيل فرص الكفاءات الشابة، بل المطلوب نموذج انتقائي ومنظم يجعل معيار الاستفادة الكفاءة والقدرة على العطاء والقيمة المضافة، ويحقق التكامل بين حيوية الجيل الجديد وخبرة الجيل السابق.
وهنا تبرز مسؤولية صنّاع القرار في النظر إلى الأكاديمي المتقاعد بوصفه رأس مال معرفياً وتعليمياً وبحثياً ووطنياً، وبناء إطار مرن للاستفادة منه في التدريس والبحث والدراسات العليا ونقل المعرفة والإرشاد والمجالس واللجان النوعية.
فتكريم الخبرة لا يكون في حفل الوداع أو الدرع التذكاري، وإنما في استمرار الاستفادة منها. وبناء جيل جديد لا يتطلب إخراج الجيل السابق من المشهد، بل تمكين الجديد من الوقوف على ما بناه السابقون والانطلاق منه إلى ما هو أبعد.
لذلك، فالسؤال أمام صنّاع القرار ليس: متى تنتهي خدمة الأكاديمي؟ بل: كيف نحافظ على العائد الوطني من خبرته بعد انتهاء خدمته؟ فالوظيفة قد تنتهي بقرار، لكن المعرفة التي صنعتها عقود من الاستثمار والتعليم والبحث والتجربة.. لا ينبغي أن تتقاعد.
awasel64@










































