اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
قد يكون الالتباس أثرى من التمييز، والضبابية أخصب من البيان؛ فتمييز المفاهيم حيناً يكون تحكّماً وإجهازاً على حياتها، وتبيينها حيناً يؤول لحبسها والتضييق عليها. وثمّة مفاهيم في التداول الفكري والفلسفي والإنساني عصيّة على الحدّ، غير أنّ السعي لذلك ينتج عشرات طرائق التفكير والتعميق، وهذا حال كثير من المعنويات، إذ تعريفها بتقريبها للأفهام، وبعد ذلك ينهج كلٌ إلى قِبلته. فكيف إن تخطّت المفاهيم تعريف مدلولاتها إلى مقابلتها بمفاهيم أخرى؟ فستتعقّد وسائل مقاربتها، وتتعمّق الرؤى متى ما كفّت عن الحسم فيما لا حسم فيه.
«الشرق والغرب» مفهومان معنويان متقابلان، واستنزفا الأبحاث والأحاديث، ولا تكاد تجد اتفاقاً على معنى واحد لكل مفهوم، فضلا عن الاتفاق على نوع العلاقة. غير أنّ الطرافة والجدّة نجدها في معمعة الالتباس وأفقها الضبابي الرحب هذا؛ حينما ننظر لاستحداث علاقة طريفة، تخالف المعهود من المقابلات. فمن ضمن المحاولات الطريفة لمقاربة مفهوميّ «الشرق» و»الغرب» ما قدّمه «رينيه غينو» في كتابه «الشرق والغرب»؛ حيث ربط العلاقة بأفقٍ إنساني جامع أوّلاً، يجمع الإنسانية كلها تحت «المبادئ الميتافيزيقية» التي تربطها بالأصل الروحيّ، غير مبالٍ باختلاف الأديان وتمايزها بل وتضادها. ومن المفارقة استعماله أداة المقابلة بين «الدين والعلمانيّة» في الواقع الغربي؛ ليقع في فخّ المقابلة ذات الخلفية المركزيّة «الغرب وبقية العالم» لتظهر لنا «العلمانية وبقية النُظم». وهذه المقابلة التي يظهر أنه لم يدرك تحكّمها فيه قادته لمقابلة يعالج بها واقع الحضارة الغربية، وهي: حضارة بمبادئ ربانية-ميتافيزيقية وحضارة مسلوبة المبادئ -أي الغربيّة-. ومن خلال هذه المقابلة تحت أفق المبادئ نظر إلى الغرب في ابتعاده وشروده عن المبادئ، وهذا الابتعاد أخذ شكلين: شكل زمنيّ في ابتعاده عن القرون الوسطى ووسمها بكلّ نقيصة، وهي قرون حوت مبادئ ميتافيزيقية، وشكل مكاني في مجانبة كل ما لا يرتبط بأوروبا وأمريكا -الغرب-. وفي هذه الحالة فالمقابلة بين الشرق والغرب ليست مقابلة بين كيانين متمايزين في طبيعتهما الإنسانيّة، وإنما مقابلة بين مسلكين: فمسلك منفلت ومبتعد عن المبادئ وهو الغرب، ومسلك معاصر له متمسّك بالمبادئ وهو الشرق. وعليه فكل دعوات «التقريب بين الشرق والغرب» لا تستقيم -حسب غينو-، لأن الحالة هي شرود الغرب، والشارد يُرد ويقرّب ولا يتقرّب منه، ولا يحاكى، لأن مسلك الضياع لا يقتدى بسالكه.
غير أنّ هذا الشرود مستحسن عند الغرب؛ لتلبّسه بخطابات قوّة أعادت تشكيله بوسوم زيّنتها ووعود، كالتقدّم، والحضارة، والتطوّر، والمخترعات المادية، وتقدّم العلوم التطبيقية... وغير ذلك؛ فقد أسكرتْ الغرب وزادته تمسّكاً بها، وإمعاناً في شروده. فالدعوة لإصلاح الغرب ليست بنبذ هذا كله، وإنما بإعادة تأسيسه تحت «مبادئ ميتافيزيقية» تردّه للدين والأخلاق؛ الأخلاق تلك التي يعيد الغرب الدعوة إليها لكن تحت مظلة فصلها عن المبادئ الميتافيزيقية، وحصرها في عالم الآن وهنا -أي العالم الدنيوي المنكفئ على ذاته-؛ والحداثة الغربية عندما انفصلت عن المبادئ عوّضت هذا الانفصال بدراسة «الأخلاق» لكن تحت أصول الحداثة الشاردة عن المبادئ، ومن ثمّ فكل شيء تنتجه هذه المعالجات «زيف» -حسب غينو-، فالأخلاق الغربية زائفة، والدين الغربي زائف... أمّا العقل الغربي، وحتى الشعور، فكل ذلك مرتبط بأدنى مراتب العقل، لأن العقل لا يرتقي إلا بوصله بالمبادئ العليا.
فالغرب -عند غينو- في مقابلته للشرق مقابلة بين واقع منهج شارد مقابل منهج متمسّك بميتافيزيقيّته. فالغرب متنكّب لتاريخه في قطيعته مع القرون الوسطى التي احتفظت بتلك المبادئ.
وأخيراً: لا بدّ من الانتباه لوقوع غينو تحت مكر الحضارة التي ينتقدها، واستناده على معيار المقابلة بين الدين والعلمانيّة؛ الذي تفرّع عن أصل المركزية الغربيّة، فوقع فيما فرّ منه.










































