اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
* هل ما زلنا بحاجة إلى ألفاظ قانونية تنتقص من كرامة الإنسان في عصر العدالة والتحول الرقمي؟
لم تعد مراجعة التشريعات تقتصر على تعديل الأحكام أو استحداث إجراءات جديدة أو الانتقال من المعاملات الورقية إلى الخدمات الإلكترونية، بل باتت تشمل أيضاً مراجعة اللغة التي تصوغ بها القوانين أحكامها وتخاطب بها الإنسان. فالقانون ليس مجرد مواد وأرقام تُقرأ في قاعات المحاكم، بل لغة تتسلل إلى المجتمع وتؤثر في نظرة الناس بعضهم إلى بعض، وقد تتحول بعض ألفاظه، مع الزمن، إلى أوصاف اجتماعية تلاحق الإنسان وتمس كرامته.
ومن هنا يُطرح سؤال يستحق نقاشاً موضوعياً: هل ما زلنا بحاجة إلى جميع الألفاظ الموروثة في بعض تشريعاتنا، أم آن الأوان لمراجعة ما يمكن الاستغناء عنه منها، واستبداله بتعبيرات أكثر دقة وإنسانية؟ ولا تعني هذه الدعوة الطعن في الفقه الإسلامي أو التفريط في الضوابط التي تحمي الحقوق والأموال والأنفس، وإنما التمييز بين ثبات الحكم الذي تقتضيه العدالة وبين اللغة التي يمكن تطويرها لتلائم واقع الإنسان المعاصر؛ فقد تبقى القاعدة القانونية ضرورية بينما يصبح التعبير عنها بحاجة إلى مراجعة.
مصطلحات الأهلية: من وصف الإنسان إلى وصف حالته
يتضمن قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019، في المواد المتعلقة بالأهلية والولاية والوصاية والحجر (ومنها المواد 204-206)، مصطلحات كـ'الجنون' و'العته' و'السفه' و'ذو الغفلة'، لها جذورها الفقهية ووظيفتها في تحديد آثار التصرفات المالية.
والسؤال ليس في مشروعية هذه الأحكام، بل: هل يمكن التعبير عن الأثر القانوني ذاته بلغة أقل إيذاءً للإنسان؟ فحين يصف القانون شخصاً بأنه 'مجنون' أو 'معتوه' أو 'سفيه'، يتجاوز الوصف الملف القضائي إلى المجتمع، ليتحول وصمة تلاحق من يحتاج أصلاً إلى حماية لا إلى انتقاص من كرامته.
ويمكن التفكير في بدائل أكثر حياداً: 'الشخص الذي يعاني اضطراباً عقلياً' بدل 'المجنون'، و'الشخص الذي يعاني قصوراً في بعض القدرات الإدراكية' بدل 'المعتوه'، و'الشخص الذي صدر حكم قضائي بتقييد أهليته المالية' بدل 'السفيه'، و'الشخص الذي يحتاج إلى حماية قانونية من الاستغلال في تصرفاته المالية' بدل 'ذي الغفلة'. وهذه مقترحات لغوية أولية لا مصطلحات قانونية معتمدة، إذ لكل حالة شروطها وآثارها، ولا يجوز أن يؤدي تحسين اللغة إلى إضعاف الحماية القانونية أو التوسع في تقييد الأهلية دون مسوغ.
وتتجلى حدود الوصف العام بصورة أعمق حين يتعلق الأمر بضعف الذاكرة وتراجع القدرة على التركيز والإدراك، كما في حالات الاضطرابات المعرفية المرتبطة بالتقدم في العمر؛ فبدل اختزال هذه الحالات في وصف واحد يطغى على إنسانية صاحبه، يمكن الحديث عن 'أشخاص يعانون اضطرابات معرفية يحتاجون إلى الرعاية والدعم'، مع مراعاة الدقة الطبية والقانونية وعدم تعميم وصف واحد على حالات تتفاوت في طبيعتها ودرجتها. والمفارقة أن بعض النصوص التشريعية تمنح القاضي أصلاً سلطة تقديرية في الإذن بزواج من وُصف قانوناً بأنه 'مجنون'، وفق شروط وضوابط محددة؛ فإذا كان القانون قد أتاح، في هذه الحالة، مجالاً للنظر القضائي الفردي رغم وجود وصف يمس الإدراك، أفلا يستحق من يعاني ضعف الذاكرة مع احتفاظه بقدر من التمييز أن يُنظر إلى حالته بالميزان الفردي الدقيق نفسه، وأن تُصان إرادته بالقدر الذي تسمح به أهليته، بدلاً من اختزاله في تشخيص عام؟ فالعبرة هنا يجب أن تكون بحقيقة تأثير الحالة في الإدراك والتمييز والقدرة على اتخاذ القرار، لا بمجرد التسمية التي تُطلق عليها، إذ إن الحماية القانونية لا ينبغي أن تتحول إلى مصادرة تلقائية للإرادة، ولا الرعاية إلى إلغاء للشخصية.
نفقة 'الغلام' ومعيار القدرة على الكسب
من الأمثلة اللافتة أيضاً المادة (195) من القانون نفسه، التي تنص على استمرار نفقة الغلام 'إلى الحد الذي يتكسب فيه أمثاله'.
والإشكال هنا ليس في صحة الحكم بقدر ما هو في معيار تطبيقه: فالمقارنة العامة بـ'أمثاله' تصور قدرة نظرية على الكسب، بينما قد يكون الابن لا يزال يدرس أو يتدرب أو يبحث عن عمل أو يعاني إعاقة تحد من قدرته الفعلية على الكسب، في ظل أنماط عمل مستحدثة (العمل عن بُعد، العمل الحر، المنصات الرقمية) لم تكن حاضرة وقت صياغة النص. ويمكن، تشريعياً، استبدال العبارة بصياغة أدق: 'وتستمر نفقة الابن الذي لا يملك موارد كافية لإعالة نفسه إلى حين قدرته الفعلية على تأمين احتياجاته الأساسية، وفقاً للشروط والضوابط التي يحددها القانون' — على أن يحدد المشرّع لاحقاً معايير القدرة الفعلية على الكسب وأثر الدراسة والتدريب والإعاقة والبطالة فيها، بما يحقق التوازن بين حق الابن والتزام المكلَّف بالنفقة.
ألفاظ أخرى تستحق المراجعة
تمتد المراجعة إلى ألفاظ أخرى متداولة في التشريع الأسري: 'الصغير'، الذي يمكن في بعض سياقاته استبداله بـ'الطفل' أو 'القاصر' أو 'من لم يبلغ سن الرشد' مع إبقاء الأثر القانوني واضحاً؛ و'المحضون'، الذي يحتفظ بوظيفته الفنية في الأحكام والإجراءات المتخصصة، لكن يمكن في لغة الخطاب العام استخدام 'الطفل محل النزاع' ليستحضر أن موضوع الخصومة إنسان له شخصية مستقلة لا محل نزاع بين الكبار؛ و'العاجز عن الكسب'، الذي يحتاج تطبيقه إلى تمييز دقيق بين العجز الكلي والجزئي والقدرة النظرية والفعلية؛ وأوصاف الأشخاص ذوي الإعاقة (الأصم، الأبكم، الأعمى)، التي يُستحسن استبدالها بعبارات تصف الإعاقة دون اختزال صاحبها فيها، مثل 'الشخص ذي الإعاقة السمعية' أو 'الشخص الذي يحتاج إلى وسيلة مساعدة للتواصل'.
ليس كل قديم بحاجة إلى حذف
حتى تبقى هذه الدعوة موضوعية، ينبغي ألا تتحول إلى مطالبة عامة بحذف كل مصطلح فقهي؛ فبعض الألفاظ القديمة ما زالت تؤدي وظيفة دقيقة في تحديد الأحكام والآثار، وقد يُربك استبدالها بعبارات عامة التطبيق القضائي. لذلك فإن معيار الإصلاح ليس حداثة اللفظ أو قدمه، بل قدرته على الجمع بين الدقة القانونية، واحترام كرامة الإنسان، ووضوح الخطاب لمن يخاطبهم القانون، والاتساق مع معايير حقوق الإنسان المعاصرة. وقد يكون الحل أحياناً استبدال المصطلح، وأحياناً أخرى إعادة تعريفه أو الإبقاء عليه في موضعه الفني مع تحديث لغة الأحكام والنماذج والخطاب العام المحيط به. ودور القضاء، في هذا كله، لا يقتصر على حماية الأموال والرقابة على التصرفات المالية، بل يمتد، في حدود اختصاصه، إلى صون الكرامة الإنسانية واحترام الإرادة وتمكين الإنسان من ممارسة حقوقه بالقدر الذي تسمح به حالته، مع توفير الضمانات اللازمة لمنع استغلاله أو الإضرار به.
إن المطلوب ليس تغيير الألفاظ لذاته، بل التمييز بين ثبات الحكم ومرونة التعبير عنه؛ فليس كل من ضعفت ذاكرته فقد إرادته، وليس كل من احتاج إلى المساعدة فقد قدرته على الاختيار. ولتحقيق ذلك عملياً، أقترح تشكيل لجنة وطنية لمراجعة لغة التشريعات الأسرية، تضم خبراء الفقه والقانون واللغة إلى جانب متخصصين في الطب النفسي وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وحماية الطفل، على أن تبدأ مهمتها بقانون الأحوال الشخصية تحديداً لصلته المباشرة بالإنسان والأسرة، وفق منهجية من ثلاث خطوات: حصر المصطلحات التي قد تحمل دلالة وصمية أو أصبحت غير دقيقة في نصوص القانون النافذ، ثم اقتراح بدائل لغوية لها دون المساس بأثرها القانوني، ثم اختبار هذه البدائل قضائياً وتشريعياً قبل اعتمادها رسمياً، بما يضمن أن يبقى الحكم كما هو وتتبدل الصياغة وحدها. وبهذا تنتقل المراجعة من ملاحظة فردية إلى مشروع مؤسسي قابل للتنفيذ، يجعل لغة العدالة بالقدر نفسه من الدقة والإنسانية الذي نطلبه من أحكامها.












































