اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
في الوقت الذي نفجع فيه باستشهاد أحد أبناء الوطن، الشهيد جواد السلايطة، وبعد أسبوعين على الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة حمود في الكرك وأودى بحياة أبرياء، تتزاحم في ذهني أسئلة لا تتعلق بالحزن والغضب وحدهما، بل بمعايير العدالة، وبكيفية تقدير الخطر الذي قد يشكله إنسان على مجتمعه.
كيف يعود أشخاص سبق أن أدينوا بقضايا إرهابية إلى المجتمع؟ وما المعايير التي تحكم الإفراج عنهم؟ وأين الرقابة التي يفترض أن تحمي الوطن وأبناءه من تكرار مثل هذه الجرائم؟
إن حماية المجتمع لا تتوقف عند تنفيذ العقوبة، بل تمتد إلى كيفية التعامل مع المحكومين في القضايا الخطيرة، ومدى تأهيلهم قبل الإفراج عنهم، وتقييم احتمالات عودتهم إلى ارتكاب الجرائم. فالإصلاح والتأهيل والرقابة ليست إجراءات شكلية، بل مسؤولية أساسية لضمان ألا يعود إلى المجتمع من لا يزال يشكل خطرا على أمنه وسلامة أبنائه.
هذه الأسئلة أعادتني إلى تجربة شخصية مؤلمة مع والدي، النائب الأسبق الدكتور غازي مشربش، الذي أمضى سنوات طويلة في خدمة الوطن، ليجد نفسه في سنوات عمره الأخيرة محكوما بالحبس لمدة عام في قضية دائن ومدين، ارتبط بها بحكم موقعه كرئيس لمجلس إدارة شركة مساهمة عامة، وليس نتيجة مديونية شخصية أو منفعة مالية خاصة.
نحن أبناءه من اتخذنا قرار إبعاده عن وطنه حفاظا على صحته وحياته، رغم إصراره على العودة حتى لو كان مصيره السجن. وعلى مدى سنوات، لم أتوقف عن إرسال الكتب والمراسلات الرسمية والمناشدات، مرفقة بالتقارير الطبية، وطرقت أبواب الجهات المعنية مرارا، ملتمسة إيجاد أي بديل قانوني وإنساني، من السوار الإلكتروني إلى الخدمة المجتمعية، يتيح له العودة والعيش بين أهله في ظل جائحة كورونا، لكن جميع تلك المحاولات لم تفض إلى حل. ولم تتح له العودة إلا بعد العفو العام في نيسان 2024، بعد سبع سنوات من الغياب عن وطنه، ليرحل في كانون الأول من العام نفسه، بعد ثمانية أشهر فقط قضاها في وطنه.
لم نكن نطالب بامتيازا لنائب سابق، ولا أن يكون فوق القانون، بل عدالة وإنسانية يفترض أن تشمل كل مواطن في ظروف مماثلة. فأي خطر كان يشكله رجل تجاوز الثمانين من عمره حتى يحرم من العيش بين أهله وفي وطنه؟
واليوم، أمام الجرائم التي تطال الأبرياء ورجال الأمن، يعود السؤال بمرارة أكبر: كيف نقيس خطورة الإنسان على المجتمع؟ وكيف نوازن بين تطبيق القانون وحماية الأرواح ومراعاة الظروف الإنسانية؟
لا أضع القضايا المالية والجرائم الإرهابية في ميزان قانوني واحد، ولا أشكك في ضرورة احترام الأحكام القضائية، لكنني أتساءل عن فلسفة العقوبة وأولويات حماية المجتمع. كيف تضيق البدائل أمام رجل متقدم في العمر في قضية مالية، بينما تثير عودة مدانين بقضايا إرهابية إلى المجتمع أسئلة مصيرية عن الإفراج والرقابة؟
ليست القضية قضية والدي وحده، بل قضية معايير يجب أن تكون واضحة وعادلة، تميز بين من يشكل خطرا حقيقيا على أمن المجتمع، ومن تستدعي ظروفه النظر في بدائل قانونية أكثر إنسانية، دون المساس بحقوق الآخرين.
هل نقيس خطورة الإنسان بما قد يشكله من تهديد حقيقي للمجتمع، أم بمجرد وجود حكم يتيح سلب حريته؟
رحم الله الشهيد جواد السلايطة وشهداء الاعتداء على كنيسة حمود، وحفظ الأردن قيادة وشعبا، ورحم الله أبي الذي لم يكن يريد سوى أن يقضي ما تبقى من عمره في وطنه.












































