اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
لِلَّمْسِ في اللغة معان كثيرة ومختلفة، ففي كتاب (العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ): «لمس: اللَّمسُ: طلب الشيء باليد من ههنا، وهنا، ومن ثَمَّ»، وجاء في كتاب (الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية) لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (393هـ): «اللَّمسُ: المَسُّ باليد. وقد لمَسَهُ يَلْمُسُه ويَلْمِسُه»، وهناك مرادفات أخرى للمس، كالجسّ، لكنه - كما يقول اللغويون خاص بلمس الحيوان.
وقد ورد ذكر اللمس في القرآن الكريم في مواضع متفرقة، بدلالات متنوعة، فمن ذلك قوله تعالى: «أو لامستم النساء»، وذكر المفسرون أن لفظ اللمس في اللغة مشترك، يقع على الجماع، وعلى جسّ اليد، والقبلة، والمباشرة، ونحوها. ومن الآيات التي جاءت بصيغة (اللمس) قوله تعالى: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا». وفي الأحاديث النبوية، والتراث العربي نصوص كثيرة، ورد اللمس في سياقاتها بمدلولات واسعة، ليس هذا مقام عرضها، والمقصود أن اللمس حركة باليد يستخدمها الإنسان ليشعر بشيء محسوس؛ ليتعرّف عليه، سواء أكان ذلك الملموس إنساناً، أم حيواناً، أم نباتاً، أم جماداً، أم غير ذلك.
غير أن اللمس حينما يكون وسيلة تواصلية صادرة من إنسان إلى إنسان آخر، فإنه قد يحمل معنى التنبيه، ولفت الانتباه، وعندئذ يُعرَف اللمس وفقاً لدرجات متفاوتة، ولكل درجة إيحاءاتها ومقاصدها، فاللمس الخفيف مثلاً قد يدل على لطف في التعامل. واللمس المتوسط قد يدل على حرص أو رغبة، أو رهبة. وكذا اللمس القوي قد يكشف عن امتعاض، أو غضب، أو ما شابه ذلك، ولكل درجةٍ من درجات اللمس معانيها المختلفة، ومراميها المتنوعة، وسياقاتها التي يفرضها المقام التواصلي، والإيحاءات الشعورية.
وقد لفت انتباهي كتابٌ اطّلعتُ عليه مؤخراً في اللغة الإنجليزية، حَمَلَ عنوان (when we toutch..)، لمؤلفه (مايكل بانيسي Michael banisst)، وترجمته: (عندما نتلامس: المصافحات، والعناق، والتحية بالأيدي، والعلم الجديد لأهمية اللمس)، وقد اشتمل هذا الكتاب على موضوعات مهمة، فانطلق من علم أعصاب اللمس، وتحدث عن أصول حاسة اللمس، وما تحظى به من تقدير، ثم توقف عند اللمس الصحي، والعلاجي، ومدى حاجة الإنسان لفوائد اللمس العاطفي، كالتخفيف، والتهدئة، وتبيين المحبة، والمودة، وماذا نفعل إذا افتقدنا لحاسة اللمس؟ إضافة إلى حديثه عن اللمس الغامض، واللمس الرقمي (الإلكتروني) الذي نعيش اليوم أوج عصوره.
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن اللمس مجموعة معقدة من المشاعر والذكريات، وهو أمر حيوي لنقل الطمأنينة إلى الآخر، والتعاطف معه، وإيصال المودة، واللطافة، عن طريق هذا التواصل الجسدي، كما يصف المؤلف اللمس بأنه كالغراء الاجتماعي الذي يساعد على تكوين الروابط بين الناس، وتعزيز العلاقات. والأعجب والأغرب أن المؤلف ينطلق من نظرة علمية دقيقة – بوصفه عالم أعصاب اجتماعي – حيث يجعل من اللمس أحياناً سببًا من أسباب الصحة الإيجابية، والطاقة، والحيوية، وتقوية جهاز المناعة، والمساعدة على النمو، وزيادة الثقة بالنفس، وقول الحقيقة؛ لما يوفره اللمس من إحساس بالرفاهية، والعيش الهانئ، ومواكبة الحياة.
إن اللمس في حياتنا من أكثر الحواس أهمية، ومع ذلك فهو لا يحظى بالتقدير الكافي لدى الناس، وربما ينظر إليه كثير من البشر بوصفه إحساسًا تواصليًّا فقط، بينما لا يدرك بعضهم أن اللمس وسيلة تواصل: صحية، وعاطفية، وأخلاقية، وجمالية. ويكفي أن ندرك قيمة اللمس حين نواسي من نحبهم، أو نربت على كتف من نعزّهم، أو حين نمسح دمعة طفل، أو نمرّر يدنا على شعر يتيم، أو نقبّل رأس كبير، أو نقبّل أولادنا، أو نصافح من نراهم بحرارة وحيوية.










































