اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٤ حزيران ٢٠٢٦
تشرق شمس الخامس والعشرين من أيار على امتداد الثرى الأردني المتنوع ، من قمم جبال شمال الأردن الشامخة والوسط ، والبادية الممتدة شرقاً ، إلى السهول الحورانية النضرة وأغوار الخير ، محملة بعبق الكرامة ومكللة بنور الإنجاز ، لتعلن بدء فصل جديد من فصول الوعي والوفاء لأرض لم تعرف يوماً سوى العزة شعاراً والانتماء دثاراً . وفي هذا العام ، تكتسي الذاكرة الوطنية حللاً استثنائية من الفخر والابتهاج ، وهي تستقبل الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية ، لتكون هذه المحطة التاريخية الفارقة شاهداً حياً على منعة الدولة وعمق الإنجازات التي صيغت بعرق الآباء والأجداد وحكمة القيادة الفذة . إن استرجاع هذه المسيرة الممتدة عبر ثمانية عقود يتجاوز حدود الاحتفال العابر ، ليصبح وقفة تأمل واستبصار في عبقرية المكان والإنسان ، وقدرة هذا الوطن الأشم على تحويل التحديات والأنواء إلى معارج للبناء والتحديث ، صائناً قراره الوطني الحر ، وواحة للأمن والاستقرار تفيض بالخير على محيطها .
أولاً : تمازج قيم العيدين ونبل التضحية والفداء :
تحل الذكرى الثمانون لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية لتشكل محطة تاريخية استثنائية في مسيرة الدولة ، وتأكيداً على عمق الإنجاز الذي تحقق عبر ثمانية عقود من البناء والتحديث . ففي الخامس والعشرين من أيار ، ترتدي المملكة الأردنية الهاشمية أبهى حلل الفخر لتعلن فجراً جديداً من فصول العزة بمناسبة العيد الثمانيني للاستقلال ، وهو التاريخ الذي يوثق قصة وطن بني بالصبر ، وعمر بالعزم ، وسيق بحكمة قيادته الهاشمية الفذة ، ليبقى واحة للأمن والاستقرار في منطقة عاصفة بالأحداث .
وما يضفي على هذا العام بهجة استثنائية وعمقاً روحياً فريداً ، هو تزامن ذكرى الاستقلال الثمانيني مع احتفال الأردن والأمتين العربية والإسلامية بعيد الأضحى المبارك . هذا التزامن المبارك ليس مجرد التقاء لمناسبتين على المفكرة السنوية ، بل هو تمازج عميق بين قيم التضحية والفداء التي يجسدها عيد الأضحى ، وقيم الحرية والسيادة الوطنية التي يمثلها عيد الاستقلال . فالتضحية التي بدأت من قيم الإيمان والعطاء اللامحدود ، هي ذاتها القيمة التي قدمتها قوافل الشهداء والأجداد ليبقى الأردن حراً منيعاً . إن التقاء العيدين يمنح الأردنيين فرصة متجددة لاستشعار معاني التلاحم والوحدة ، والالتفاف حول القيادة الهاشمية التي تحمل إرثاً دينياً وتاريخياً يربط بين كرامة الإنسان وعزة الأوطان .
ثانياً : التطور التاريخي والتسلسل الزمني لبناء أركان السيادة الوطنية :
إن هذا العيد الثمانيني يستدعي من الذاكرة الوطنية مسيرة ملوك بني هاشم الذين قادوا سفينة الوطن بحكمة وشجاعة عبر محطات تاريخية متسلسلة صاغت المجد الأردني :
مرحلة التأسيس والإعلان ( 1946 م ) : بدأت أولى الخطوات على يد الملك المؤسس عبد الله الأول ابن الحسين ، طيب الله ثراه ، الذي صاغ بحنكته السياسية ورؤيته الثاقبة معالم الحرية الأولى ، وخاص معارك دبلوماسية ووطنية كبرى ، توجت بقرار المجلس التشريعي الأردني الخامس في الخامس والعشرين من أيار عام 1946 م ، والذي أعلن استقلال البلاد التام والبيعة للملك عبد الله الأول ملكاً دستورياً على المملكة الأردنية الهاشمية ، لتنتهي بذلك مرحلة الانتداب البريطاني وتبدأ مسيرة السيادة الكاملة .
مرحلة مأسسة الدولة والدستور ( 1952 م ) : جاء الملك طلال بن عبد الله ، رائد الدستور ، ليرسخ مفاهيم دولة المؤسسات والقانون . ورغم قصر فترة حكمه ، إلا أنه وضع دستور عام 1952 م العصري ، والذي أعلن في مادته الأولى أن ' المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية مستقلة ذات سيادة ملكها لا يتجزأ ' ، ورسخ مبدأ ' الأمة مصدر السلطات ' ، وكفل مجانية وإلزامية التعليم كركيزة لبناء الإنسان الأردني .
مرحلة استكمال السيادة والتعريب ( 1956 م - 1957 م ) : وتواصلت المسيرة ليرتبط استكمال الاستقلال وتجذير السيادة الوطنية بخطوات شجاعة وتاريخية اتخذها الملك الباني الحسين بن طلال ، طيب الله ثراه ، ففي الأول من آذار عام 1956 م ، أقدم بجسارة على اتخاذ قراره التاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي الأردني وإنهاء خدمات ' كلوب باشا ' ، مكرساً قيادة وطنية خالصة لجيشنا الباسل . وتابع هذه الخطوة السيادية الهامة في عام 1957 م بإنهاء وإلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية ، ليخرج آخر جندي بريطاني من الأراضي الأردنية ، ويعلن للعالم أجمع أن القرار الأردني حر لا تشوبه شائبة ، وبذلك اكتملت أركان السيادة والكرامة فوق التراب الوطني .
ثالثاً : العهد المتجدد وحماية المكتسبات في ظل الرؤية الملكية :
وتستمر هذه المسيرة المباركة اليوم وتتجدد للعهد والوفاء تحت ظل الراية الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ، وولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبد الله الثاني . وثمانون عاماً من العطاء ، لم تكن مجرد سنوات في عمر الزمن ، بل تحولت فيها التحديات الجيوسياسية والاقتصادية إلى مكتسبات وطنية شملت شتى القطاعات ، فقد شهد الأردن في العهد الميمون قفزات نوعية في البنية التحتية ، وتوسيع شبكات التعليم والتعليم العالي ، وتطوير القطاع الصحي الذي بات منارة إقليمية .
وفي ذات السياق ، قوي فيها جيشنا العربي المصطفوي الباسل وأجهزتنا الأمنية ليكونوا درعاً حصيناً للوطن والأمة ، مواكبين أحدث تقنيات التسليح والتدريب العسكري . كما تعزز الدور المحوري للأردن في الساحة الدولية كصوت للحكمة والاعتدال ، مع ثبات الموقف الهاشمي التاريخي في حماية والدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف تحت الوصاية الهاشمية التاريخية ، والوقوف المستمر والداعم لقضايا الأمة العربية والإسلامية .
رابعاً : الفعاليات الوطنية وشعائر الفرح والبهجة في أرجاء المملكة الأردنية الهاشمية :
وتتزامن هذه الأفراح المزدوجة مع إطلاق الديوان الملكي الهاشمي للشعار الرسمي لعيد الاستقلال الـ 80 ، حيث تعم الاحتفالات والمهرجانات الوطنية كافة محافظات المملكة الأردنية الهاشمية برعاية وزارة الثقافة . وتشهد الفعاليات المركزية هذا العام عروضاً عسكرية لموسيقات القوات المسلحة والأمن العام ، واستعراضات جوية لنسور سلاح الجو الملكي ، بالإضافة إلى مسيرات كرنفالية مبهجة تنبض بالأهازيج الوطنية والأغاني التراثية التي تعكس بهجة الشعب .
كما تتزين السماء بعروض مميزة للألعاب النارية والليزر ، تتركز أبرزها في العاصمة عمان فوق منطقة الدوار السادس عند أبراج بوابة الأردن ، إلى جانب فتح أبواب المتاحف مجاناً أمام المواطنين لإتاحة الفرصة للأجيال الناشئة للاطلاع على تاريخ وطنهم . ويبرز في هذا الصدد إقامة برنامج احتفالي وجماهيري متكامل ينظمه متحف السيارات الملكي في ساحاته ومرافقه ، يستعرض من خلاله المركبات التاريخية التي واكبت مسيرة الاستقلال وقادة الوطن احتفاءً بهذه المحطة التاريخية .
خامساً : بوابات المستقبل ومسارات التحديث الشامل :
وفي هذه الذكرى المجيدة والأيام المباركة ، يدخل الأردن عقده التاسع وهو يخطو بثقة وثبات نحو المستقبل من خلال مسارات التحديث الشامل الثلاثة التي أطلقها جلالة الملك عبد الله الثاني لتشكل خارطة طريق مئوية الدولة الثانية :
1 ) المتمثل في تحديث المنظومة السياسية ، وتطوير قانوني الأحزاب والانتخاب ، لتعزيز المشاركة البرلمانية الحزبية وتمكين الشباب والمرأة في صنع القرار .
2 ) المتمثل في رؤية التحديث الاقتصادي العابرة للحكومات ، والتي تهدف إلى إطلاق إمكانات الاقتصاد الوطني ، وجلب الاستثمارات ، وتوفير فرص العمل ، وتحسين جودة الحياة للمواطنين .
3 ) المتمثل في خارطة طريق تحديث القطاع العام ، بهدف الوصول إلى إدارة عامة كفؤة ، ومؤتمتة ، وتقديم خدمات حكومية متميزة للمواطنين بنزاهة وشفافية .
يعكس هذا التحديث الشامل حيوية الدولة وقدرتها على التجدد ومواكبة العصر . ويجدد الأردنيون اليوم العزم على مواصلة مسيرة الإنجاز بخطى واثقة خلف قيادتهم الحكيمة ، ليبقى الأردن نموذجاً في التنمية والوسطية والمنعة . فكل عام والوطن ، وقائد الوطن ، وشعبه العظيم بألف خير .
دام عز الوطن ، وحفظ الله أردننا الغالي حراً أبياً .
ومع انقضاء فصول هذا المشهد الوطني المهيب ، يبرهن الأردن للدنيا بأسرها أنه ليس مجرد رقم في جغرافيا المنطقة ، بل هو فكرة ريادية ملهمة وقصة صمود أسطورية ترويها الأجيال تلو الأجيال . إن هذا الثبات الراسخ عبر ثمانين عاماً يضع على عاتق كل أردني وأردنية أمانة صون المكتسبات ، ومواصلة الذود عن حياض هذا الحمى العربي القرشي الأصيل . وبينما يمضي الأردن بعزم لا يلين نحو عقوده القادمة ، يتأكد للقاصي والداني أن الراية الهاشمية ستبقى خفاقة في علياء المجد ، تحرسها زنود الجيش العربي الأبي ، وتحوطها قلوب شعب يعاهد الله والوطن والمليك على أن تظل مواقف الأردن منارة للحق والعدل والمنعة والتحديث الشامل ، وليبقى الأردن - كما كان على الدوام - منبعاً للعروبة وحصناً منيعاً لا تطاله يد العاديات .












































