اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ تموز ٢٠٢٦
أ. د. فهد بن مطلق العتيبي
تثير اللغة أحيانًا أسئلة ذات علاقة بالتاريخ، وربما من أكثر هذه الأسئلة إثارة للتأمل أن المصادر العربية اعتادت إطلاق وصف 'العبيد' على كثير من ذوي البشرة السوداء الذين وقعوا تاريخياً في الرق، بينما شاع وصف 'المماليك' على الرقيق الأبيض. ومع مرور الوقت أصبح المصطلح الأخير يحمل أحياناً دلالات الفروسية والسلطة، في حين ارتبط الأول بالدونية والخدمة، فهل تكشف هذه الثنائية اللغوية عن نزعة عنصرية في الثقافة العربية، أم أنها انعكاس لظروف تاريخية واجتماعية معقدة؟
في الأصل، لا يوجد فرق قانوني بين العبد والمملوك؛ فكلاهما إنسان مملوك لغيره، بل إن كلمة 'مملوك' في اللغة العربية تعني حرفيًا 'الذي وقع عليه الملك'، وهي وصف ينطبق على جميع الأرقاء بغض النظر عن اللون. غير أن الاستعمال التاريخي لم يكن محايدًا، إذ أصبح لفظ 'المماليك' يُستخدم غالبًا للرقيق البيض، ولا سيما الأتراك والقوقازيين الذين جُلبوا للأمور العسكرية، بينما ارتبط لفظ 'العبيد' في الاستعمال الشائع بالأفارقة السود الذين كانوا يعملون في الخدمة المنزلية أو الزراعة أو الأشغال الشاقة.
هذا التمييز اللغوي لم يكن مجرد اختلاف في الألفاظ، بل يعكس اختلافًا في المكانة الاجتماعية، فالمملوك كان يُدرَّب على الفروسية والقيادة، بل إن دولة المماليك في مصر والشام وصلت إلى الحكم، وأصبح بعضهم سلاطين وقادة للجيوش. أما كثير من العبيد السود فقد ظلوا في أسفل السلم الاجتماعي، وهو ما جعل اللون الأسود يقترن تدريجيًا بالعبودية في المخيال الشعبي، رغم أن التاريخ الإسلامي والعربي عرف أيضًا عبيدًا بيضًا، وأحرارًا سودًا، وعلماء وقادة من أصول إفريقية، ولا يمكن إغفال أن الإسلام نفسه لم يربط بين لون البشرة والكرامة الإنسانية، بل قرر مبدأ المساواة بقوله تعالى: 'إِنّ أَكْرَمَكُمْ عندَ الله أَتْقَاكُمْ'، كما أن بلال بن رباح، وهو حبشي أسود، أصبح أحد أبرز رموز الإسلام المبكر. لذلك فإن الربط بين السواد والعبودية ليس نتاج العقيدة الإسلامية، بل هو نتاج تراكم تاريخي تشكل بفعل أسواق الرق، وأنماط العمل، والصور النمطية التي استمرت قرونًا. ومع مرور الزمن، انفصلت الكلمة عن معناها التاريخي، وأصبحت تُستخدم أحيانًا بوصفها إهانة مرتبطة بلون البشرة، وهو تحول يكشف كيف تستطيع اللغة أن تنقل الأحكام المسبقة من جيل إلى آخر.
ومن هنا فإن مراجعة هذه المفردات ليست مجرد قضية لغوية، بل هي مراجعة لذاكرة اجتماعية تحتاج إلى نقد وإعادة قراءة. إن السؤال الحقيقي ليس: هل الثقافة العربية عنصرية؟ بل: إلى أي مدى احتفظت بعض مفرداتنا وآرائنا بآثار ماضٍ قائم على الرق؟ فالثقافات جميعها تحمل بقايا من تاريخها، والوعي النقدي هو الطريق إلى تجاوزها، لا إنكار وجودها ولا تعميمها على مجتمع بأكمله.










































