اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٢٢ أب ٢٠٢٦
#سواليف
كتب .. بسام زكارنة
السؤال الذي يجب ان نطرحه اليوم ليس: هل الغت الولايات المتحدة السلطة الفلسطينية؟ فهذا لم يحدث رسميا لكن السؤال الاخطر هو: هل اصبحت السلطة الفلسطينية قابلة للتجاوز؟
المشهد السياسي خلال الفترة الاخيرة يفرض هذا السؤال بقوة نتنياهو يلتقي ترامب ويتواصل معه بصورة مباشرة والمبعوثون الامريكيون يتحركون بين اسرائيل وحماس والقاهرة تستضيف اتصالات ولقاءات تشارك فيها مصر وقطر وتركيا مع حماس بينما لا تظهر السلطة الفلسطينية طرفا مركزيا في هذه المسارات.
والاخطر ان ترتيبات مستقبل غزة واعادة اعمارها وادارتها يجري بحثها ضمن اطر جديدة من بينها مجلس السلام من دون حضور فلسطيني رسمي وازن في مركز صناعة القرار وفي الوقت نفسه لا تبدو السلطة حاضرة في المشهد الامريكي بالثقل الذي يفترض ان تكون عليه باعتبارها الاطار الرسمي للتمثيل الفلسطيني.
اما حل الدولتين الذي كان لعقود عنوانا اساسيا في السياسة الدولية فلم يعد يبدو الاطار الواضح الذي تتحرك الادارة الامريكية الحالية على اساسه بينما يعلن نتنياهو صراحة رفضه قيام دولة فلسطينية غرب نهر الاردن.
وفي المقابل تتواصل سياسة الاستيطان ومصادرة الاراضي واعتداءات المستوطنين بينما تواجه السلطة حصارا ماليا يضعف قدرتها على القيام بدورها السياسي والوطني.
لكن تحميل الولايات المتحدة واسرائيل وحدهما مسؤولية تراجع مكانة السلطة لا يكفي علينا ان نسأل انفسنا بشجاعة: لماذا اصبحت السلطة قابلة للتجاوز؟ هنا يجب ان تمتلك حركة فتح شجاعة المراجعة لقد اختارت فتح الانتقال من الثورة الى الدولة ومن البندقية الى السياسة ومن العمل المسلح الى العمل الدبلوماسي والمؤسساتي ولم يكن هذا الخيار خطأ في جوهره بل كان يمكن ان يكون تحولا تاريخيا عظيما لو اكتمل ببناء دولة قوية ومؤسسات قوية وشرعية شعبية متجددة واقتصاد قادر على الصمود.
لكننا وقعنا في منتصف الطريق تخلينا عن ادوات القوة القديمة ولم نبن بالقدر الكافي ادوات القوة الجديدة لا نملك قوة الفصائل المسلحة ولا نملك في المقابل قوة الدولة ذات السيادة لا نملك السيطرة على غزة ولا السيادة الكاملة في الضفة ولا اقتصادا مستقلا ولا قدرة كافية على فرض حضورنا في صناعة القرار الاقليمي والدولي وهذه ليست دعوة للعودة الى السلاح بل دعوة لاعادة تعريف القوة الفلسطينية.
القوة اليوم هي الشرعية الشعبية والانتخابات والوحدة الوطنية والمؤسسات القوية والاقتصاد والدبلوماسية والاعلام والقدرة على التأثير في القرار الدولي القوة هي ان يعرف الآخرون ان تجاوزك سيكلفهم سياسيا.
وهنا تكمن مسؤولية فتح لا المطلوب اسقاط السلطة ولا العودة الى الماضي بل اعادة بناء السلطة على اسس جديدة تجعلها عنوانا لا يمكن تجاوزه سلطة تستند الى شرعية شعبية متجددة ومؤسسات خاضعة للمساءلة واقتصاد قادر على الصمود وقرار وطني مستقل فالسلطة التي تعجز عن دفع رواتب موظفيها بانتظام وتبقى تحت رحمة التحويلات والضغوط المالية تصبح اكثر قابلية للابتزاز السياسي والاستقلال المالي جزء من الاستقلال السياسي كما ان بناء الاقتصاد الفلسطيني ليس شأنا ماليا فقط بل قضية سيادة وطنية.
وفي المقابل فان استمرار الانقسام يجعل تجاوز السلطة اكثر سهولة عندما تتعامل مصر وقطر وتركيا مباشرة مع حماس في ملف غزة وعندما تتواصل واشنطن مع حماس حول ترتيبات القطاع بينما تبقى السلطة خارج مركز هذه الاتصالات فان الانقسام يتحول من خلاف فلسطيني داخلي الى واقع يسمح للآخرين باعادة توزيع التمثيل الفلسطيني وهذا اخطر ما يمكن ان يحدث.
فاسرائيل لا تريد سلاما يقود الى دولة فلسطينية والاستيطان يغير الارض والحكومة الاسرائيلية الحالية تضم تيارا يرفض قيام الدولة الفلسطينية وفي ظل هذا الواقع لا يكفي ان نكون اصحاب قضية عادلة بل يجب ان نكون قادرين على حماية قضيتنا سياسيا العالم لا يتعامل دائما مع الطرف الاكثر عدالة بل مع الطرف الاكثر قدرة على التأثير.
وهنا يجب ان نتذكر تجربة بكين في يوليو 2024 اجتمعت الفصائل الفلسطينية في بكين ووقعت 14 فصيلا على اعلان يؤكد الوحدة الوطنية ويضع اطارا لانهاء الانقسام وتعزيز دور منظمة التحرير والتحضير للانتخابات وتشكيل حكومة توافق وطني كانت بكين مساحة جمعت الفلسطينيين ولم تطرح الصين نفسها بديلا عن القرار الفلسطيني او وصيا على الفلسطينيين وكان عنوان تدخلها دعم الوحدة الفلسطينية وفتح الطريق امام توافق فلسطيني مستقل.
لقد جرت حوارات فلسطينية عديدة في عواصم عربية شقيقة وكان التأثير الامريكي المباشر او غير المباشر حاضرا في البيئة السياسية المحيطة بهذه الحوارات وهو ما منع في كثير من الاحيان الوصول الى توافق فلسطيني مستقل ولهذا فان العودة الى بكين ليست مجرد اختيار لعاصمة اخرى وليست دعوة لاستبدال وصاية بوصاية بكين يمكن ان تكون مساحة لاستعادة القرار الفلسطيني المستقل.
اذا كانت امريكا تتجاوزنا فعلينا ان نتجاوز احتكارها للمسار السياسي الفلسطيني نذهب الى بكين ونعيد فتح حوار فلسطيني جاد على قاعدة اعلان بكين ونبني شراكات اوسع مع الصين وروسيا واوروبا والدول العربية والاسلامية لا ضد امريكا وانما حتى لا تبقى قضيتنا رهينة للموقف الامريكي وحده لكن الطريق الى بكين لا يبدأ من بكين وحدها الطريق الى بكين يبدأ من رام الله وغزة يبدأ بقرار فلسطيني جاد لانهاء الانقسام واستعادة وحدة القرار وبناء شراكة وطنية حقيقية تعيد لمنظمة التحرير دورها وتعيد للشعب حقه في اختيار قيادته ومؤسساته.
فالمطلوب ليس نقل القضية من واشنطن الى بكين بل نقل القرار الفلسطيني من دائرة الوصاية الى دائرة الاستقلال .
فامريكا لا تحتاج الى الغاء السلطة يكفي ان تتجاوزها والسلطة لا تختفي بقرار واحد يبدأ التهميش باجتماع يعقد من دونها ثم مبادرة تطلق من دونها ثم ترتيبات لغزة من دونها ثم اعادة اعمار من دونها ثم يصبح السؤال: ماذا بقي من دورها؟ علينا ان نتحرك قبل الوصول الى هذه المرحلة لا نريد العودة الى زمن السلاح لكن لا يجوز ان نعيش في زمن السلطة بلا قوة.
نريد دولة قوية وسلطة قوية وفتح قوية ومنظمة تحرير قوية وشعبا موحدا وقرارا وطنيا مستقلا.
لان من يريد السلام يجب ان يمتلك القوة السياسية التي تجعله شريكا في صناعة السلام لا طرفا ينتظر ما يصنعه الآخرون.
لا يكفي ان تكون على الطاولة يجب ان تكون قادرا على التأثير فيما يجري فوقها.












































