اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أب ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
إذا كنا نستثمر اليوم في تطوير الذكاء الاصطناعي لمكافحة التضليل، فإن الاستثمار في بناء إنسان يمتلك الوعي الإعلامي والتفكير النقدي، ويعرف كيف يتحقق، ويفهم كيف تعمل الخوارزميات، سيظل خط الدفاع الأول، والشريك الحقيقي لأي تقنية قادمة..
طوال تاريخ الإعلام، كان الإنسان يبتكر وسائل الخداع، ثم يبتكر وسائل كشفها. أما اليوم فقد تبدّل المشهد؛ فالآلة أصبحت تنتج التضليل، والآلة نفسها أصبحت تتولى مهمة اكتشافه. نحن أمام أول معركة تقنية يخوضها الذكاء الاصطناعي ضد نفسه.
هذه إحدى المفارقات المثيرة اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي دخل بطريقة ما، سباقًا مع نفسه، خوارزمية تنتج صورة أو صوتًا أو خبرًا مقنعًا، وخوارزمية أخرى تبحث عن العلامات التي تفضح صناعته!
وهذه المواجهة بدأت فعلًا، ففي يوليو 2025 نشرت مجلة Scientific Reports دراسة قدمت نموذجًا للكشف عن الأخبار الزائفة يجمع النص والصورة والفيديو في عملية تحليل واحدة. يستخدم النموذج تقنيات مختلفة لقراءة كل مكوّن، ثم يقارن العلاقات بينها. وحقق في الاختبارات أفضل دقة وصلت إلى 97.7 %. الفكرة هنا تتجاوز الرقم نفسه؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع قراءة الخبر بالطريقة التي أصبح التضليل يُصنع بها: قصة متكاملة من نص وصورة ومشهد، بدل التعامل مع كل عنصر منفردًا.
والصورة بدورها دخلت هذه المطاردة التقنية بشكل عجيب، فدراسة أخرى منشورة في Scientific Reports في نوفمبر 2025 اختبرت إطارًا للكشف عن الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، ودُرّب على صور مولدة بواسطة Stable Diffusion ثم اختُبر أمام مولدات أخرى، منها Midjourney وBigGAN وStyleGAN3. المثير في الدراسة أن النظام يقيس درجة عدم اليقين أيضًا؛ فعندما يشك في قراره يستطيع إحالة الحالة بدل منحها حكمًا واثقًا قد يكون خاطئًا. هذه الفكرة مهمة جدًا في مواجهة التضليل.. أحيانًا تكون معرفة الآلة بأنها غير متأكدة أكثر قيمة من إجابة خاطئة تقدمها بثقة!
أما الفيديوهات المزيفة فهي تخوض السباق نفسه وأكثر. أبحاث حديثة في كشف الـDeepfake تستخدم نماذج تتعلم تفاصيل دقيقة في الوجه ومناطق التلاعب، فيما تركز نماذج أخرى على قدرتها على العمل حتى بعد ضغط الفيديو وانخفاض جودته، وهي ظروف تشبه ما يحدث فعليًا عندما تنتقل المقاطع عبر المنصات والتطبيقات، ففي دراسة منشورة عام 2026 اختبرت نموذجًا على قواعد بيانات معروفة للفيديو المزيف، وأظهرت أن أدوات الكشف تستطيع المحافظة على مستويات مهمة من الأداء حتى مع الضغط الشديد للمقاطع.
والأكثر إثارة بالنسبة لي أن الذكاء الاصطناعي اليوم بدأ يراقب شيئًا آخر غير المحتوى نفسه بل في طريقة انتشار الشائعات، ففي دراسة منشورة حديثًا عام 2025 جمعت نموذج BERT لتحليل لغة الخبر مع الشبكات العصبية الرسومية GNNs لقراءة أنماط الانتشار والتفاعلات والعلاقات بين المستخدمين والمصادر. وحقق النموذج دقة بلغت 99 % على مجموعة البيانات المستخدمة في الدراسة، وهنا نلاحظ انتقال المطاردة إلى مستوى مختلف؛ فالخبر قد يبدو مقنعًا لغويًا، بينما تكشف رحلة انتشاره إشارات أخرى تساعد الآلة على تقييمه.
وهنا أرى فرصة تستحق التفكير؛ لماذا نبقى في موقع انتظار الشائعة ثم ملاحقتها؟ يمكننا اليوم، وبأيدي كفاءاتنا السعودية، تطوير 'منظومات تحقّق' عربية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تفحص النصوص والصور والمقاطع والأصوات، وتقارن الادعاءات بالمصادر الرسمية والموثوقة، وتقرأ أنماط الانتشار، ثم تمنح الصحفي أو المؤسسة أو المستخدم إشارات مبكرة قبل أن تتحول المعلومة المضللة إلى موجة واسعة.
لدينا أيضًا تطور بحثي عربي مشجع؛ ففي أبريل 2026 نشرت Scientific Reports دراسة عن نظام آلي لكشف الأخبار العربية الزائفة يعتمد الشبكات العصبية وتمثيلات نماذج المحولات اللغوية. ومثل هذه الأبحاث تفتح الباب أمام أدوات تفهم خصائص اللغة العربية وسياقاتها، وتدعم تطوير حلول أكثر ملاءمة لبيئتنا الرقمية.
ومع هذا التقدم، يبقى سباق آخر مفتوحًا؛ فكل جيل جديد من أدوات إنتاج النصوص والصور والفيديو يدفع إلى ظهور جيل جديد من أدوات كشفها. لذلك، لن تُحسم هذه المعركة بتفوق تقنية على أخرى، وإنما بمنظومة تجمع ذكاء الآلة، والمصادر الموثوقة، ووعي الإنسان.
لقد بدأ الذكاء الاصطناعي يطارد نفسه؛ خوارزمية تنتج التضليل، وأخرى تكشفه. والسؤال الذي سيحدد جانبًا مهمًا من مستقبل الحقيقة الرقمية: أي الذكاءين سيتقدم أسرع؟
غير أن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أقل أهمية من سؤال آخر: هل هيأنا الإنسان لهذا العصر؟، فمازالت التربية الإعلامية والوعي الإعلامي يبحثان عن مكانهما المستحق في مدارسنا وجامعاتنا، بينما تتطور أدوات التضليل بوتيرة متسارعة. وإذا كنا نستثمر اليوم في تطوير الذكاء الاصطناعي لمكافحة التضليل، فإن الاستثمار في بناء إنسان يمتلك التفكير النقدي، ويعرف كيف يتحقق، ويفهم كيف تعمل الخوارزميات، سيظل خط الدفاع الأول، والشريك الحقيقي لأي تقنية قادمة.
فالذكاء الاصطناعي قد يكشف الشائعة.. أما المجتمع الواعي، فهو الذي يمنعها من أن تجد من يصدقها.










































