اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
في السياسة، لا تُقاس قوة الخطابات بارتفاع نبرتها، ولا بكثرة الشعارات التي تحملها، بل بوضوح الرسالة، ودقة التوقيت، والقدرة على قول ما يجب أن يقال عندما يصبح الصمت مكلفاً. ومن هذه الزاوية تحديداً، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً لافتاً في مضمونه ورسائله؛ خطاب قائد يعرف ماذا يريد لوطنه، ويدرك أين تقف مصالح الدولة، وأين تبدأ الخطوط التي لا ينبغي لأحد أن يخطئ في قراءتها.
من نيويورك، لم يتحدث الملك باسم الأردن وحده، بل حمل معه فلسطين وحقوق شعبها، وهموم الإقليم، ومخاوف الشعوب من اتساع دائرة الفوضى والحروب. لكنه، في الوقت ذاته، تحدث بوضوح عن الأردن: عن أمنه وحدوده ومياهه وسيادته وحقه الكامل في حماية مصالح شعبه.
وهنا تكمن، في تقديري، قوة الخطاب.
فالملك لم يذهب إلى الأمم المتحدة ليضيف خطاباً جديداً إلى أرشيف المنظمة الدولية، بل ليضع أمام العالم معادلة سياسية شديدة الوضوح: السلام خيار، لكنه ليس ضعفاً؛ والاعتدال نهج، لكنه ليس تنازلاً؛ والدبلوماسية أداة قوة، لكنها لا تعني التفريط بحقوق الدولة ومصالحها.
لقد ظل جلالة الملك، طوال سنوات، من أكثر قادة العالم تحذيراً من خطورة ترك القضية الفلسطينية بلا حل عادل ودائم. وكان التحذير الأردني يتكرر في وقت اعتقد فيه البعض أن القضية الفلسطينية يمكن احتواؤها، أو تجاوزها، أو إدارتها إلى ما لا نهاية.
لكن التاريخ أثبت أن القضايا العادلة لا تموت بتجاهلها، وأن الصراعات لا تختفي لأن العالم قرر النظر في اتجاه آخر.
وهذا بالضبط ما يجعل حديث الملك عن إدارة الصراع بدلاً من حله بالغ الأهمية. فالمشكلة لم تعد فقط في عجز المجتمع الدولي عن إيجاد حل، بل في اعتياده التعامل مع الأزمة الفلسطينية باعتبارها واقعاً يمكن التعايش معه: حرب تنفجر، وهدنة تعقد، ومؤتمر ينعقد، وبيان يصدر، ثم يعود الجميع إلى الانتظار حتى تنفجر الحرب التالية.
وبين حرب وأخرى، تتغير الأرض.
يتوسع الاستيطان، وتُفرض وقائع جديدة، ويتراجع الأفق السياسي، بينما يدفع المدنيون الثمن.
ومن هنا جاء الخطاب الملكي ليعيد القضية إلى أصلها: لا سلام حقيقياً من دون معالجة جذور الصراع، ولا استقرار دائماً مع استمرار الاحتلال وغياب أفق سياسي يضمن للفلسطينيين حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.
لكن الرسالة الأكثر اتصالاً بالأردن ومستقبله جاءت عندما ارتبط الحديث عن الحدود الشمالية والأمن المائي بالأمن الوطني الأردني.
وهنا ينبغي أن نقرأ الكلمات جيداً.
فالأمن المائي بالنسبة للأردن لم يعد ملفاً فنياً تديره المؤسسات المختصة، ولا مجرد قضية اقتصادية مرتبطة بالموازنة والمشاريع والبنية التحتية. في دولة تعد المياه من أكثر مواردها ندرة، تصبح قطرة الماء جزءاً من معادلة السيادة الوطنية.
الماء في الأردن أمن قومي.
وهذه حقيقة ينبغي أن تكون حاضرة في كل حسابات الدولة وفي كل اتفاق ومفاوضات ومشروع يتعلق بمصادر المياه وحقوق الأردن المائية.
الأمر نفسه ينطبق على الحدود الشمالية.
ما يجري في جنوب سوريا لا يحدث في فضاء جغرافي بعيد عن الأردن. فالحدود ليست جداراً يمنع انتقال تداعيات الحروب. وما يحدث خلفها يمكن أن يظهر أثره في التهريب والمخدرات والجريمة المنظمة وحركة السكان والتجارة والمياه والأمن.
ومع ذلك، لم يتخل الأردن عن موقفه الداعي إلى وحدة سوريا وسيادتها واستقرارها. وهذا يعكس حكمة السياسة الأردنية: الأردن يريد جاراً سورياً قوياً ومستقراً، لكنه يريد في الوقت ذاته حدوداً أردنية آمنة ومصالح وطنية مصانة.
ولا تناقض بين الأمرين.
بل إن استقرار سوريا مصلحة أردنية، مثلما أن استقرار الأردن مصلحة لسوريا والمنطقة.
ولعل هذه القدرة على الجمع بين المبادئ والمصالح هي إحدى أهم سمات المدرسة السياسية التي رسخها الملك عبدالله الثاني خلال سنوات حكمه.
لقد قاد الملك الأردن وسط واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ المنطقة الحديث. حروب، واحتلالات، وإرهاب، وانهيارات دول، وملايين اللاجئين، وأزمات اقتصادية عالمية، وجائحة، وحروب إقليمية متلاحقة.
كانت النيران تشتعل حول الأردن من أكثر من اتجاه.
ومع ذلك بقي الأردن واقفاً.
ليست هذه مصادفة جغرافية، ولا هدية من الظروف. فالجغرافيا الأردنية لم تكن يوماً سهلة.
إنها حصيلة دولة امتلكت مؤسسات راسخة، وجيشاً محترفاً وأجهزة أمنية يقظة، ودبلوماسية بنت شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وقيادة استطاعت أن تجعل من موقع الأردن الجغرافي الصعب مصدر حضور سياسي بدلاً من أن يتحول إلى عبء على الدولة.
وهنا تبرز قيمة خطاب الملك عبدالله الثاني في السياسة الخارجية الأردنية.
ففي عالم تتغير فيه التحالفات سريعاً، حافظ الأردن على علاقاته الاستراتيجية مع الغرب، وعلى عمقه العربي، وعلى حضوره الإسلامي، وعلى قنوات الاتصال مع أطراف دولية وإقليمية مختلفة، دون أن يتخلى عن ثوابته الأساسية.
ولذلك فإن صوت الأردن في العالم أكبر من مساحة الدولة وعدد سكانها وإمكاناتها الاقتصادية.
إنها قوة السياسة حين تحسن الدولة استخدامها.
وهي قوة المصداقية التي راكمتها القيادة الأردنية عبر سنوات طويلة من الاعتدال والاتزان.
لكن الاعتدال الأردني، كما جاء في رسالة الملك، يجب ألا يساء فهمه.
فالأردن لا يبحث عن معركة مع أحد، لكنه ليس ساحة مفتوحة لأحد.
ولا يسعى إلى التصعيد، لكنه لن يقبل أن يتحول ضبط النفس إلى دعوة لاختبار صبره.
ولا يتدخل في شؤون الآخرين، لكنه لن يسمح بأن تتحول أزمات الآخرين إلى خطر على حدوده ومياهه ومواطنيه.
هذه هي المعادلة الأردنية التي تستحق أن يفهمها الجميع.
أما فلسطين، فقد بقيت في قلب الخطاب كما بقيت دائماً في قلب السياسة الأردنية. لم تغير الحروب المتلاحقة بوصلتنا، ولم تجعل الأزمات الاقتصادية الأردن يتخلى عن دوره التاريخي، ولم تغير التحولات الدولية موقف الدولة من حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.
والقدس، بما تمثله من مكانة دينية وتاريخية، تبقى مسؤولية تتصل بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي مسؤولية حملها الهاشميون تاريخياً ودافع عنها الملك عبدالله الثاني في مختلف المحافل الدولية.
ولذلك لم يكن خطاب نيويورك خطاب خوف، بل خطاب ثقة.
لم يكن خطاب دولة تنتظر ما يقرره الآخرون بشأن المنطقة، وإنما خطاب دولة تقول للعالم إن لها رؤية ومصالح وثوابت.
ولم يكن خطاب حرب، بل خطاب سلام صادر عن دولة تعرف أن السلام الحقيقي لا يبنى على تجاهل حقوق الشعوب أو انتهاك سيادة الدول.
لقد أحسن جلالة الملك في اختيار الكلمات، وأحسن في توقيت الرسائل، وأحسن في وضع الأردن حيث ينبغي أن يكون: دولة تدعو إلى السلام، لكنها لا تتنازل عن سيادتها؛ تدافع عن فلسطين، وتحمي في الوقت ذاته مصالحها؛ تحترم جيرانها، لكنها تعرف تماماً أين تبدأ حدود أمنها الوطني.
وفي لحظة يعاد فيها تشكيل الشرق الأوسط، يحتاج الأردن أكثر من أي وقت مضى إلى الالتفاف حول مصالحه الوطنية العليا، وتعزيز جبهته الداخلية، والاستثمار في قوته الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، والأهم من ذلك كله: بناء أمن مائي وغذائي وطاقي قادر على الصمود أمام الأزمات المقبلة.
فالدول لا تحميها المواقف السياسية وحدها، بل تحميها قوة مؤسساتها، ووحدة مجتمعها، وصلابة اقتصادها، وقدرتها على الاعتماد على ذاتها.
ومن نيويورك جاءت الرسالة واضحة:
الأردن لا يطلب من أحد الإذن لكي يحمي أمنه.
ولا يحتاج إلى أن يبرر حرصه على مياهه وحدوده وسيادته.
فتلك ليست مطالب سياسية قابلة للتفاوض، وإنما حقوق دولة وواجبات قيادة ومسؤولية وطنية تجاه أجيال لم تولد بعد.
لقد تحدث الملك عبدالله الثاني أمام العالم بلغة تليق بالأردن: لغة العقل عندما يكون العقل ممكناً، ولغة القانون عندما يحترم القانون، ولغة السيادة عندما تمس مصالح الوطن.
وهذا ما يجعل الخطاب، في تقديري، واحداً من الخطابات الملكية التي تستحق أن تقرأ أبعد من كلماتها المباشرة.
فالرسالة ليست إلى الخارج وحده، بل هي أيضاً تأكيد على فلسفة الدولة الأردنية:
نريد السلام، لكننا نعرف كيف نحمي وطننا.
نؤمن بالاعتدال، لكننا لا نفرط بحقوقنا.
نحترم الآخرين، ونطالب الآخرين بأن يحترموا حدودنا وسيادتنا ومصالحنا.
أما مياه الأردن وحدوده وأمن شعبه، فليست أوراقاً في لعبة التوازنات الإقليمية، ولن تكون ثمناً لأزمات لم يصنعها الأردنيون.
هذه خطوط الوطن الحمراء.
ومن نيويورك، رسمها الملك بوضوح يليق بقائد يعرف المنطقة، ويعرف العالم، والأهم أنه يعرف الأردن جيداً ويعرف كيف يدافع عن مصالحه.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.












































