اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - هناك نوعان من الواسطة.
واسطة تمنح شخصاً ما ليس من حقه: وظيفة لا يستحقها، أو استثناءً لا ينطبق عليه، أو تجاوزاً للدور، أو منفعة على حساب آخرين.
وهذه نعرفها جيداً ونرفضها.
لكن هناك نوعاً آخر أكثر إزعاجاً، وربما أكثر انتشاراً في الحياة اليومية:
أن يحتاج المواطن إلى واسطة حتى يحصل على شيء هو حقه أصلاً.
معاملة مستوفية للشروط لكنها لا تتحرك.
طلب لا يجد من يجيب عنه.
مريض يبحث عمن يساعده للحصول على موعد.
مواطن يراجع مؤسسة مرات عدة، ثم يكتشف أن اتصالاً من شخص يعرفه أنهى في دقائق ما لم تستطع مراجعاته إنهاءه.
هنا لا تعود المشكلة في المواطن الذي بحث عن الواسطة فقط.
السؤال يصبح:
لماذا اضطر إليها؟
المواطن لا يولد باحثاً عن واسطة
من السهل أن نقول للناس: لا تستخدموا الواسطة.
وهذا صحيح أخلاقياً وقانونياً عندما تكون الواسطة للحصول على امتياز غير مستحق.
لكن ماذا نقول لمن طرق الباب الرسمي مرة واثنتين وعشراً، ولم يحصل على إجابة؟
ماذا نقول لمن اكتشف أن معاملته ظلت أسبوعين على مكتب، ثم تحركت بعد مكالمة؟
هل نلومه وحده لأنه بحث عن شخص يساعده؟
أم نسأل المؤسسة لماذا أقنعته تجربته بأن الطريق الرسمي وحده لا يكفي؟
هذه نقطة مهمة جداً.
الواسطة لا تنمو فقط من ثقافة المجتمع؛ أحياناً تغذيها كفاءة المؤسسة أو ضعفها.
كل معاملة تتعطل بلا سبب تخلق مواطناً يبحث عن معرفة.
وكل هاتف شخصي يحل ما عجز عنه النظام الرسمي يعزز القناعة بأن «من تعرف» أهم من «ما تستحق».
أخطر واسطة ليست التي تخالف القانون
قد يبدو الأمر غريباً، لكن الواسطة الأكثر تدميراً للثقة ليست دائماً التي تمنح شخصاً استثناءً.
الأخطر أحياناً أن يحتاج الإنسان إلى واسطة لتطبيق القانون عليه بصورة صحيحة.
لأن الرسالة التي تصل إليه عندها شديدة الخطورة:
حقك موجود على الورق، لكن الوصول إليه يحتاج إلى شخص.
وهنا يتحول الحق من شيء مضمون إلى خدمة شخصية.
والمواطن عندما يحصل على حقه بعد تدخل نائب أو مسؤول أو وجيه قد يشعر بالامتنان للشخص الذي ساعده، بينما يفترض أساساً ألا يكون مديناً لأحد.
فالدولة هي التي أعطته هذا الحق بالقانون.
وليست الواسطة.
«شوف لنا حدا»
هذه العبارة الصغيرة تختصر مشكلة كبيرة.
مواطن يريد معاملة:
«شوف لنا حدا».
يريد موعداً:
«بتعرف حدا هناك؟»
تأخرت معاملة:
«خلينا نحكي مع فلان».
حتى قبل أن يراجع البعض المؤسسة، يبدأ البحث عن شخص داخلها.
لماذا؟
لأن الواسطة لم تعد دائماً أداة لتجاوز النظام.
أصبحت لدى بعض الناس تأميناً ضد تعطل النظام.
وهذه أخطر مرحلة.
عندما يصبح المواطن مقتنعاً مسبقاً أن الطريق الطبيعي لن يعمل بكفاءة، فإنه يبدأ بناء طريق موازٍ قبل أن يجرب الطريق الرسمي.
وهنا يدفع المواطن الذي «لا يعرف أحداً» الثمن
ليس كل أردني لديه رقم مسؤول.
ولا كل مواطن يعرف نائباً.
ولا كل أسرة لديها قريب في مؤسسة عامة.
وهنا تظهر قضية العدالة.
إذا كان شخصان يحملان الطلب نفسه والشروط نفسها، لكن معاملة الأول تتحرك لأنه يعرف شخصاً، والثاني ينتظر لأنه لا يعرف أحداً، فقد أصبح لدينا عملياً مستويان من الخدمة العامة.
خدمة لمن يستطيع الوصول.
وخدمة لمن ينتظر دوره.
وهذا يتعارض مع أبسط فكرة في الدولة الحديثة:
أن المواطن يدخل المؤسسة بصفته مواطناً، لا بصفته ابن فلان أو قريب فلان أو صديق فلان.
والواسطة تظلم الموظف أيضاً
ننظر عادة إلى المواطن باعتباره الطرف الوحيد المتضرر، لكن الموظف المهني يدفع ثمناً كذلك.
تخيل موظفاً لديه عشرات المعاملات مرتبة وفق الأصول.
ثم يبدأ هاتفه بالرنين:
«هذه معاملة فلان».
«انتبه لطلب فلان».
«مرّر لنا هذه».
قد لا يُطلب منه ارتكاب مخالفة.
فقط «سرّعها».
لكن تسريع معاملة يعني غالباً أن معاملة أخرى بقيت مكانها.
وهكذا يصبح الموظف أمام ضغط اجتماعي وشخصي لا علاقة له بالنظام الذي يفترض أن يدير عمله.
أفضل حماية للموظف من الواسطة ليست أن نطالبه بأن يكون بطلاً في مقاومتها يومياً.
بل أن نبني نظاماً يجعل التدخل أصعب أصلاً.
الرقمنة ساعدت.. لكنها لا تكفي
الأردن قطع شوطاً مهماً في رقمنة الخدمات الحكومية، وهذه واحدة من أهم الأدوات لمحاربة الواسطة.
عندما تقدم الطلب إلكترونياً، وتحصل على رقم، وتتابع مرحلته، وتدفع إلكترونياً، وتصدر النتيجة وفق شروط محددة، تضيق مساحة التدخل الشخصي.
لكن الرقمنة وحدها لا تحل المشكلة.
يمكن أن نرقمن نموذج الطلب، ثم يبقى القرار النهائي معلقاً على مكتب شخص.
ويمكن أن تقدم إلكترونياً، ثم يظهر لك:
«قيد الإجراء».
وتبقى العبارة أسبوعاً وشهراً من دون أن تعرف: عند من؟ ولماذا؟ ومتى تنتهي؟
عندها يعود المواطن إلى الوسيلة القديمة:
«مين بنعرف هناك؟»
التحول الرقمي الحقيقي ليس نقل الطابور من أمام الشباك إلى شاشة الهاتف.
بل إلغاء الحاجة إلى الطابور أصلاً، وجعل مسار القرار قابلاً للتتبع والمساءلة.
الحل قد يكون في شيء بسيط: الوقت
كل خدمة حكومية يجب أن يكون لها زمن معلن.
هذه المعاملة: يومان.
هذه: خمسة أيام.
هذه تحتاج إلى موافقة إضافية: عشرة أيام.
إذا لم تنتهِ في الموعد، يجب أن يعرف المواطن لماذا.
والأهم أن يعرف النظام نفسه أنها تأخرت.
لا أن يحتاج المواطن إلى الاتصال عشر مرات حتى يكتشف أحد أن معاملته متوقفة.
عندما يعرف المواطن أن حقه سيصل خلال مدة محددة، تقل حاجته إلى الواسطة.
اليقين يقتل جزءاً كبيراً من سوق الوساطات.
ولماذا يذهب المواطن إلى النائب؟
هذه قضية سياسية أيضاً.
جزء كبير من وقت بعض النواب يذهب إلى متابعة خدمات ومعاملات المواطنين.
وظيفة.
نقل.
موعد.
مؤسسة.
والنائب يفعل ذلك لأنه يريد خدمة ناخبيه، والمواطن يلجأ إليه لأنه يعتقد أن صوته سيكون مسموعاً أكثر إذا حمله نائب.
لكن هنا مفارقة تستحق التفكير.
النائب يفترض أن يكون مشرّعاً ورقيباً على السلطة التنفيذية.
فإذا أمضى جزءاً كبيراً من وقته في إنجاز معاملات فردية، فقد أصبح بصورة غير مباشرة نافذة خدمات إضافية للحكومة.
والسؤال ليس لماذا يساعد النائب الناس.
السؤال:
لماذا يحتاج المواطن إلى النائب لإنجاز معاملة يفترض أن تنجزها المؤسسة مباشرة؟
كلما تحسنت الخدمة العامة، تحرر النائب من دور الوسيط وعاد إلى دوره السياسي والرقابي.
الواسطة ليست دائماً فساداً.. لكنها قد تصنع بيئته
يجب التفريق هنا.
اتصال شخص بمسؤول للاستفسار عن معاملة متأخرة ليس بالضرورة فساداً.
ومساعدة إنسان في معرفة الطريق الصحيح ليست جريمة.
لكن تطبيع فكرة أن لكل معاملة «شخصاً» يسرعها يخلق بيئة تصبح فيها الحدود ضبابية.
«ساعدني أعرف أين معاملتي».
غداً:
«سرعها شوي».
وبعده:
«اعمل لنا استثناء».
ثم يصبح الاستثناء عادة.
ولهذا فإن أفضل طريقة لمحاربة الواسطة ليست الوعظ فقط.
اجعلها غير مفيدة.
إذا كان الاتصال لن يقدم معاملتك دقيقة واحدة على معاملة غيرك، فلماذا تبحث عن واسطة؟
ماذا لو نشرنا مدة كل خدمة ونسبة الالتزام بها؟
تخيل أن كل مؤسسة حكومية تنشر شهرياً:
95% من المعاملات أنجزت في موعدها.
5% تأخرت.
متوسط زمن الخدمة أربعة أيام.
عدد الشكاوى كذا.
أسباب التأخير كذا.
عندها لا نقيس المؤسسة بعدد الاجتماعات التي عقدتها ولا الأخبار التي نشرتها.
نقيسها بالسؤال الذي يهم المواطن:
هل أنجزت حقي في الوقت المحدد؟
وهذا أيضاً يجعل المسؤول قادراً على اكتشاف المشكلة.
إذا كان فرع معين ينجز المعاملة في ثلاثة أيام وآخر يحتاج إلى عشرة، لماذا؟
إذا كان موظف أو قسم تتراكم عنده الطلبات باستمرار، ما السبب؟
هنا تتحول البيانات إلى رقابة يومية.
نحتاج إلى حق اسمه «لا أعرف أحداً»
ربما هذه هي الفكرة الأهم.
يجب أن يستطيع المواطن أن يدخل أي مؤسسة ويقول بثقة:
أنا لا أعرف أحداً هنا.
ولا تكون هذه نقطة ضعف.
لا يحتاج إلى اسم.
ولا اتصال.
ولا بطاقة من شخص.
ولا رسالة واتساب.
رقمه الوطني يكفي.
طلبه المستوفي للشروط يكفي.
دوره يكفي.
وقانونه يكفي.
هذه ليست رفاهية إدارية.
هذه إحدى أبسط صور المواطنة المتساوية.
وحتى الواسطة الاجتماعية ستتراجع
لن تختفي الواسطة من المجتمع بقرار.
هي مرتبطة بثقافة وعلاقات اجتماعية ممتدة.
لكن يمكن للدولة أن تسحب منها قيمتها.
إذا أصبحت الوظيفة عبر مسابقة شفافة، لا تنفع الواسطة.
إذا كانت المعاملة إلكترونية بمدة محددة، لا تنفع الواسطة.
إذا كان الدور إلكترونياً لا يستطيع الموظف تغييره، لا تنفع الواسطة.
إذا كان القرار قابلاً للاعتراض إلكترونياً وتظهر أسبابه، تقل الحاجة إلى «معرفة شخص».
أي أن الحل ليس أن نطلب من الأردني فجأة أن يغير ثقافته.
غيّر النظام، وستتغير معه السلوكيات تدريجياً.
وهناك مسؤولية على المواطن أيضاً
كل ما سبق لا يعفي المواطن.
إذا كان طلبك مخالفاً، فلا تبحث عمن يمرره.
إذا لم تستوفِ الشروط، فلا تطلب استثناء لأنك تعرف شخصاً.
إذا كان أمامك عشرة أشخاص، فلا تعتبر معرفتك بمسؤول مبرراً لأن تصبح الأول.
فالعدالة ليست فقط أن أحصل على حقي.
العدالة أن أحصل على حقي من دون أن آخذ حق غيري.
وهنا يلتقي إصلاح المؤسسة مع إصلاح الثقافة.
الدولة تجعل الواسطة غير ضرورية.
والمواطن يتوقف عن استخدامها عندما يريد ما ليس من حقه.
المسؤول الأقوى هو الذي لا يحتاج المواطن إلى معرفته
نحب المسؤول الذي يفتح هاتفه للناس.
ونحترم المسؤول الذي يتدخل لحل مشكلة مواطن.
لكن النجاح الأكبر لذلك المسؤول ليس أن يتلقى ألف اتصال ويحل ألف مشكلة.
بل أن يصل إلى مرحلة لا يحتاج فيها الناس إلى الاتصال به.
لأن المؤسسة حلت المشكلة قبل أن تصل إليه.
المسؤول الذي يقول: «بابي مفتوح» جيد.
لكن المؤسسة الأفضل هي التي تجعل المواطن لا يحتاج إلى طرق باب المسؤول أصلاً.
عندها فقط نحارب الواسطة من جذورها
يمكن أن نطلق حملات ضد الواسطة.
ونكتب شعارات.
ونشدد العقوبات.
لكن المواطن سيظل يبحث عنها ما دام يعتقد أنها تختصر الطريق.
الحل الحقيقي أن يصبح الطريق الرسمي هو الأقصر.
أن تكون المعاملة العادية أسرع من الاتصال.
والشكوى الرسمية أقوى من المعرفة الشخصية.
والدور الإلكتروني أضمن من بطاقة الوجيه.
والقانون أكثر فاعلية من رقم هاتف المسؤول.
عندها فقط ستتغير العبارة الشعبية من:
«بتعرف حدا؟»
إلى:
«قدمت الطلب.. وهذا رقمه وموعد إنجازه».
وهذا هو الاختبار الحقيقي للإدارة العامة.
ليس أن نمنع المواطن من البحث عن الواسطة بالقوة.
بل أن نجعله يسأل نفسه:
لماذا أبحث عن واسطة أصلاً إذا كان حقي سيصلني من دونها؟
فالمواطن الذي يطلب امتيازاً ليس من حقه يحتاج إلى من يوقفه.
أما المواطن الذي يبحث عن واسطة ليحصل على حقه، فقبل أن نلومه علينا أن نسأل المؤسسة:
لماذا جعلتموه يحتاج إليها؟












































