اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ حزيران ٢٠٢٦
عاصم عبد الفتاح
«أعقل الناس أعذرهم للناس»..
هذه المقولة تُنسب إلى الصحابي الجليل عمر بن الخطاب، وهي مقولة تكتنف بين أحرفها ومعانيها فلسفةً رواقيةً عظيمةً، لا يتخلّق بها إلا أصحاب النفوس الكبيرة وأولو الألباب النفيسة النادرة، وهي «ثقافة التماس العذر» واستحضاره، وإن توارت أسبابه عند النظر إلى هفوات الآخرين أو زلاتهم أو تجاوزاتهم.
وكأنه يقول لنا بطريقة أخرى: إنما يُقاس مدى كِبَر عقل الإنسان بمدى وثوبه إلى التماس العذر للناس قبل وثوبه إلى إدانتهم، وفي كنف هذه العبارة أيضاً تسليطٌ للضوء على قدرة النفس الحكيمة على تجاوز الموقف والنظر ببصيرة ثاقبة إلى أبعاده المختلفة أو حيثياته، أو استبصار دوافعه، كما أنها تتسم بالتبشير لا التنفير؛ أي إنها تعتقد أن الخطأ أو الزلة إنما حصلا بسبب جهل، وليس بالضرورة بسبب نية سوء أو شر.
لذا، فبدلاً من شحن النفس بقالب الحكم على الآخر - وهو أسهل ما يكون - تتجه إلى محاولة تفهّم الدافع، جلياً كان أم خفياً. فإن كان جلياً، فتستوجب توجيه الآخر عوضاً عن التهجم عليه أو الركون إلى إصدار الأحكام المطلقة. وإن كان الدافع خفياً، فإن كرم النفس وسعة الصدر مأوى لالتماس العذر.
أما الركون إلى الغضب أو إصدار الأحكام، أو الاصطياد في الماء العكر ــ خصوصاً في السقطات التي لا تخلو من حسن طوية ــ فإنما ينم عن نفس ضيقة وعقل متحجر لا يرتقي إلى الأخلاق الإنسانية المثلى. وقد جسّد المتنبي هذه الحالة باستعارة تمثيلية بديعة حين قال:
ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ
يَجِدْ مُرّاً بِهِ المَاءَ الزُّلالا
ذلك أن التهجم وسرعة إصدار الأحكام على الآخرين من أمراض النفوس وضمور العقول؛ تماماً كما يجد صاحب الفم المريض مرارةً في الماء العذب، فالعلة في موضع التذوق، ومرأى العين، وحكم النفس!
ولعل هذا المعنى هو ما أشار إليه المتنبي حين اعتبر سوء الظن من بواعث سوء الفعل، تماماً كما أن المسارعة إلى تعليق الأحكام السيئة على الآخرين تنبع من خللٍ في النفس قبل أن تكون وصفاً للغير، إذ يقول:
إذا ساءَ فعلُ المَرءِ ساءت ظُنونُهُ
وصَدَّقَ ما يعتادُهُ من توهُّمِ
وعادى مُحبِّيهِ بقولِ عُداتِهِ
وأصبحَ في ليلٍ من الشكِّ مُظلِمِ
أما في طيات الفلسفة الرواقية، فهناك ما يُدعى بمفهوم الإبوخية وهو:
«تعليق الحكم» (Judgment Suspension - Epoché)، وهو دعوة محضة إلى التريث وعدم التسرع في إصدار الأحكام أو بناء القناعات السريعة. كما تستحثنا على النظر إلى زوايا الأمور والتفكير فيها، ولفت أذهاننا إلى قصور معرفتنا عن كل شيء، وكل موقف، إلى أن تكتمل الصورة فيه. وذلك يسهم في إزالة الكثير من الضغائن، وانقشاع التوتر والوصول الى الطمأنين، وفسح فرجة للتقييم قبل إصدار أي حكم!
لحظة ختام: يدعونا أبو العلاء المعري إلى التوقف عن سرعة الغضب واللوم، والتماس الأعذار للآخرين؛ فقد يكون للشخص الذي أخطأ أو صدر منه تصرف مزعج مبرر خفي لا نعرفه:
لكَ اللهُ لا تَذْعَرْ وليّاً بغضبةٍ ** لعلَّ له عذراً وأنتَ تلومُ..










































