اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
في حوار علمي مع بعض طلابي في مرحلة الدكتوراه حول حدود سلطة المصدر التاريخي، استوقفني ما لمسته من إيمان راسخ لدى بعضهم بسلطته المطلقة، وكأن مجرد ورود المعلومة في مصدر تاريخي يمنحها حصانة من النقد والمساءلة. وحين طرحت عليهم سؤالًا: هل كل ما دوّنه المؤرخون يمثل بالضرورة حقيقة ما حدث؟ بدا أن السؤال يضعنا أمام إشكالية معرفية تتجاوز حدود النقاش الأكاديمي، وتمس جوهر المنهج الذي نقرأ به التاريخ ونكتب من خلاله الماضي.
لقد ذكّرني ذلك بأهمية المدرسة التاريخية العقلانية، التي لا تنظر إلى المصدر بوصفه سلطة نهائية، وإنما باعتباره شهادة بشرية قابلة للفحص والنقد والتأويل. فالمصدر، مهما بلغت قيمته وأصالته وقربه الزمني من الحدث، يظل نتاجًا لظروف مؤلفه، وموقعه الاجتماعي والسياسي، ومعتقداته، ومصالحه، وحدود معرفته.. ولعل من أبرز البدايات المبكرة لهذا الاتجاه ما نجده عند المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس، الذي لم يكتفِ بجمع الروايات عن الحرب البلوبونزية، بل أخضعها للتحقيق والمقارنة، مدركًا أن شهود الحدث قد يختلفون في روايته تبعًا لانحيازاتهم أو ضعف ذاكرتهم.. وهنا بدأ يتبلور تصور يجعل العقل والنقد أساسًا للمعرفة التاريخية. ثم جاء ابن خلدون ليمنح هذا التوجه عمقًا منهجيًا حين رفض الاكتفاء بنقد أسانيد الأخبار، ودعا إلى اختبار مضامينها في ضوء طبائع العمران وأحوال الاجتماع البشري.. فليس كل خبر صحيح النقل صحيح الوقوع، وليس كل ما حفظته المدونات التاريخية مطابقًا بالضرورة للواقع.
ومع عصر التنوير الأوروبي، اتسعت مساحة التفسير العقلاني للتاريخ، وأصبح البحث في الأسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية جزءًا من فهم الأحداث، بدلًا من الاكتفاء بسردها أو التسليم بتفسيراتها الموروثة. غير أن العقلانية التاريخية لا تعني إسقاط سلطة المصدر لإحلال سلطة المؤرخ محلها؛ لأن ذلك لا يمثل سوى انتقال من يقين غير مبرر إلى يقين آخر.. فالمؤرخ نفسه محكوم بثقافته وأسئلته وموقعه من الحاضر، ولذلك ينبغي أن يخضع تفسيره للمساءلة بالقدر الذي يخضع له المصدر.
إن المشكلة ليست في الثقة بالمصادر التاريخية، وإنما في تحويل تلك الثقة إلى إيمان مطلق يعطل وظيفة العقل.. فالمصدر يقدم شهادة عن الماضي، لكنه لا يمتلك وحده حق إصدار الحكم النهائي بشأنه. وفي تقديري، فإن أخطر ما يواجه الدراسات التاريخية ليس ندرة المصادر، بل تقديسها؛ لأن المؤرخ الذي يتعامل مع المصدر باعتباره حقيقة مكتملة يتخلى -دون أن يشعر- عن أهم وظائفه العلمية وهي النقد والتحليل والتفسير.. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يستحضره كل باحث في التاريخ ليس: ماذا يقول المصدر؟ وإنما: لماذا قال المصدر ذلك؟ وما الذي سكت عنه؟ ولمن كان يتحدث؟ فالتاريخ لا يتقدم بكثرة ما نصدق من روايات، وإنما بعمق ما نطرح عليها من أسئلة.










































