اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
يمكننا أن نتوقف للحظة ونقول: هذه الدقيقة لنا، لن نبيعها، لن نؤجرها، لن نقدفها في بالوعة 'لاحقًا'.. دقيقة واحدة تنظر فيها إلى السماء بلا هاتف تساوي عمرًا.. دقيقة واحدة تعتذر فيها تساوي سنوات من القطيعة.. دقيقة واحدة تقول فيها 'أحب أخي' بصدق تساوي حياة كاملة من الصمت.. وفي النهاية مراقبة الله في كل ثانية تمر، لأننا في النهاية سنُسأل أمام الله عز وجل عن عمرنا (الزمن) فيما أفنيناه!
في هذا العصر المتسارع، تجول بخاطرنا أسئلة شديدة الإلحاح والألم في الوقت نفسه: هل نحن من نمرر الوقت (الزمن) أم هو من يمررنا؟ إذ أصبح الزمن يتسرب، فنسيل من بين أصابعنا كما يسيل الماء، في أكف العطشانين والمقهورين! نمرح ونضحك ونحن نراه يختفي في لا شيء!
لقد كان الوقت فيما مضى ثمينا جدا ومنظما، ولذا كانت البركة تحل على العمل والبيت والأبناء؛ والآن تزدحم الدقائق على معاصمنا، فلم نعد قادرين على مراقبتها، ونحن لا نعلم أن (الزمن) نحن دون مواربة أو مراجعة فهو ذلك العداد التنازلي الذي يقود العمر إلى نهايته، وإلى تلك الحفرة الترابية التي تمتلئ بالتراب ويقطر الماء فوقها قبل المغادرة!
إنه قطعة من الاسم الذي سننادى به يوماً في مكان لا ساعات فيه، ولا عداد دقائق. فقط زمن سرمدي لا حراك فيه! ومع ذلك نترك الصنبور مفتوحاً تتسرب منه قطرات الحياة دون حساب أو مراجعة، فالزمن هو هبة من المولى عز وجل لنا كي نحيا ونعمل ونتحاب وننتج وكل شيء بمعيار، هذه الهبة هي المعيار الحقيقي للحياة وهي إكسير الوجود، وهي ذات الهبة المهداة لنا، ولله في ذلك حكمة!
والآن نحن جيل 'التسرب'. لا نموت مرة واحدة، بل نموت بالتنقيط. نقطة في المواصلات، نقطة في الاجتماع الذي بلا قرار، نقطة في الرد على رسالة لم تكن تستحق الرد، ونقطة في انتظار الرد على رسالة أرسلناها ولم تكن تستحق الإرسال. وفي نهاية اليوم ننظر إلى أيدينا فنجدها جافة تماماً. ونسأل ببلاهة: أين ذهب اليوم؟ الإجابة بسيطة ومخيفة: ذهب في 'لا شيء'. فالدقيقة الواحدة هذه هي القاتل المحترف، التي جاءت لتأخذ دقيقة فأخذت العمر.
حينما حولنا الزمن إلى سائل، أصبح عنيدا لا يُحبس، وكلما حاولنا أن نمسكه بقوة تسرب من بين أصابعنا أسرع. فاخترعنا الأكواب. هذه الأكواب اسمها 'الإنجاز'، 'الهدف'، 'الخطة الخمسية'. نملأ الكوب ونشعر بالأمان، ثم نكتشف أن الكوب مثقوب، وأن الثقب اسمه 'القلق'.. نركض في ملاحقة هذا التسرب بلا هوادة لنملأ مرة أخرى أكوابا فارغة؛ وربما وهمية، لكنه يتسرب كل شيء!
ومن السخرية أننا أصبحنا نحتفل بالتسرب، وننسى أننا صرفنا من بنك ساعات! وقد نسميها 'تضحية'، ونحن في الحقيقة لم نضحِّ بشيء.. نحن بعنا الشيء الوحيد الذي لا يُعوض: الوقت الذي هو نحن.
يقولون: الوقت كالسيف.. وهذا كذب، فالسيف يقطع مرة، أما وقتنا فيقطع كل يوم شريحة؛ شريحة للخوف، شريحة للمقارنة، شريحة للحسد، وشريحة للندم على شريحة الأمس! وحين نصل إلى الليل نجد أنفسنا شرائح مقذوفة في طبق اسمه 'التعب'.
إن أقسى أنواع التسرب هو 'تسرب المعنى'.. نجلس مع من نحب بأجسادنا، وعقولنا في مكان آخر.. نرد بـ'تمام' و'ماشي' و'لاحقا' لكي نمرر الوقت ظانين أننا نقطعه بينما هو تلك الآلة الحادة المتسللة إلى الروح.. حينها نجد أنفسنا نأكل ولا نتذوق، نسمع ولا نصغي، نعيش ولا نحيا، لأننا مشغولون بتسرب الوقت في مكان آخر، مشغولون بمطاردة سائل لا يُمسك.. وهذا على عكس الأطفال، لأن الطفل كتلة واحدة، ساعة اللعب عنده كاملة غير منقوصة، يضحك ضحكة تملأ الغرفة ولا يقول: 'هذه الضحكة ستكلفني عشر دقائق من المذاكرة'. ثم نعلمه الاقتصاد، نعلمه أن الوقت نقود.. فيكبر ويتحول هو الآخر إلى سائل ينساب في أنابيب المجتمع، ويخرج من الصنبور في نهاية الشهر فاتورة المستقبل هي أكبر بالوعة، نقذف فيها حاضرنا كله.. نقول: عندما ننجح سنعيش، وعندما نتزوج سنرتاح، وعندما نتقاعد سنبدأ.. ونحن نرمي ونرمي، حتى نكتشف أن البالوعة قد سُدت من تكاثر ما رمي بها من أمنيات راكدة.. فنكنشف أننا لم نعد نملك شيئاً لنبدأ به!
يقولون: لا تضيع وقتك.. كأن الوقت شيء خارجنا نضيعه.. والحقيقة أننا نحن الضائعون، نحن الذين نضيع في الوقت ونسبح في ثنياته! نذوب فيه، نتحلل، حتى نصبح ذكرى سيقولون عنها: 'كان هنا إنسانا'.
إن قيمة الوقت أنه نحن، أنه وجودنا، فالثانية التي تمر هي خلية منا تموت، ولا تعود.
الكلمة التي لم نقلها هي جزء منا سيموت كاتماً، العناق الذي أجلناه هو نحن الذين لن نعانق مرة أخرى.. ومع كل ذلك نصر على إهداره في 'لا شيء'.. على سبيل المثال جدال على الإنترنت، أو مقارنة حياة غيرنا بحياتنا، أو في انتظار إشعار لن يغير شيئاً، وفي خوف من غد لم يأتِ بعد، وفي ندم على أمس لن يعود.
لقد أصبحنا خبراء في فن 'اللاشيء'. نجلس ساعات ولا نفعل شيئاً، ثم نشعر بالذنب لأننا لم نفعل شيئاً، فنهرب من الذنب بفعل شيء آخر لا معنى له.. دائرة لا تنتهي.
الحل؟ لا يوجد حل.. لا يمكننا أن نوقف النهر، ولكن يمكننا أن نكف عن كوننا النهر.. يمكننا أن نتوقف للحظة، وأن نقول: هذه الدقيقة لنا، لن نبيعها، لن نؤجرها، لن نقدفها في بالوعة 'لاحقا'.. دقيقة واحدة تنظر فيها إلى السماء بلا هاتف تساوي عمراً.. دقيقة واحدة تعتذر فيها تساوي سنوات من القطيعة.. دقيقة واحدة تقول فيها 'أحب أخي' بصدق تساوي حياة كاملة من الصمت.. وفي النهاية مراقبة الله في كل ثانية تمر، لأننا في النهاية سنُسأل أمام الله عز وجل عن عمرنا (الزمن) فيما أفنيناه!










































