اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
ليست المشكلة أن تختلف زليخة أبو ريشة مع الإخوان المسلمين، ولا أن تنتقد أسلمة المناهج أو تناقش علاقة الدين بالسياسة؛ فذلك حقٌّ مشروع في أي مجتمع يحترم حرية الرأي. المشكلة تبدأ حين تتحوّل الذاكرة الشخصية إلى محكمة للتاريخ، وحين تُساق الروايات والاتهامات لتقديم الأردن ورجالاته وكأنهم متهمون في وطنهم، وكأن تاريخ الدولة لا يستحق إلا قراءة خصومها.
إن أخطر ما في هذا المقال ليس نقد الإخوان، بل الطريقة التي يُعاد بها تركيب مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ الأردن، عبر تعميمات قاسية، واتهامات سياسية كبرى، وإقحام أسماء وطنية وتاريخية في سردية لا تترك مساحة للإنصاف أو التحقق أو تعدد الروايات.
أمّا وصفي التل، فلا يجوز اختزاله في توصيف عابر أو تحويل مرحلة أيلول الأبيض إلى مادة للمناكفة السياسية. كان وصفي رجل دولة أردنياً، ارتبط اسمه بمفهوم الدولة ومؤسساتها وقرارها الوطني، وله مكانته في الذاكرة الأردنية، بصرف النظر عن الاختلاف في تقييم سياساته أو أحداث تلك المرحلة. والتاريخ الجاد لا يُكتب بتقديس الرجال، لكنه أيضاً لا يُكتب بتجريدهم من سياقهم وكرامتهم الوطنية.
أما إسحاق الفرحان، فإن كان ثمة خلاف حول تجربته في وزارة التربية والتعليم أو حول أثر التيار الإسلامي في المناهج والمؤسسات، فالمطلوب تقديم الوقائع والوثائق، لا الاكتفاء بإطلاق أحكام من قبيل الانتهازية والوصولية، ولا تحويل كل تعيين أو ابتعاث أو قرار إداري إلى حلقة في مؤامرة مكتملة الأركان.
والأخطر من ذلك، الزعم بأن أسلمة المجتمع الأردني جرت بأوامر أمريكية وتخطيط إمبراطوري، وكأن المجتمع الأردني بلا إرادة، وكأن تدين الأردنيين ظاهرة مستوردة، وكأن ملايين الناس لم يختاروا ممارساتهم الدينية عن قناعة شخصية واجتماعية. هذه أطروحة تحتاج إلى أدلة تاريخية موثقة، لا إلى الربط بين أحداث متباعدة ثم تقديم الاستنتاج باعتباره حقيقة نهائية.
الأردنيون ليسوا قطيعاً يُساق من واشنطن، ولا إيمانهم تهمة، ولا تاريخهم ساحة مباحة لتصفية الحسابات الفكرية.
ومن حق أي كاتب أن ينتقد الحركات الإسلامية، بل من حقه أن يذهب في نقدها إلى أقصى الحدود، شرط أن يميّز بين نقد التنظيمات والإساءة إلى المجتمع، وبين تحليل السياسات وإدانة التاريخ كله، وبين تقديم الشهادة الشخصية وفرضها بوصفها الحقيقة الوحيدة.
إن الأردن أكبر من أن يُختزل في صراع أيديولوجي، وأعمق من أن يُقرأ تاريخه بمنظار واحد. وفي تاريخنا أخطاء تستحق الاعتراف، وقرارات تستحق النقد، ورجال يستحقون المساءلة التاريخية؛ لكن الإنصاف يقتضي ألا ننتقي من الماضي ما يخدم موقفنا، ثم نطالب الآخرين بتسليمنا مفاتيح الحقيقة.
أما أن يتحوّل النقد إلى محاكمة انتقائية للأردن ورجالاته، وأن يُقدَّم المجتمع الأردني كأنه ضحية خداع ديني وسياسي شامل، فذلك ليس شجاعة فكرية؛ بل اختزال للتاريخ وإساءة إلى وعي الأردنيين.
نحن لا نطالب أحداً بالصمت عن الماضي، ولا نمنح أي شخصية حصانة من النقد، لكننا نرفض أن يصبح الوطن مادة للاتهام، وأن يُعامل رجالاته باعتبارهم متهمين حتى تثبت براءتهم.
اكتبوا ما شئتم عن الإخوان، وعن وصفي التل، وعن إسحاق الفرحان، وعن أيلول وما تلاه؛ لكن اكتبوا بوثيقة، وبميزان واحد، وباحترام لعقول الأردنيين.
فالأردن ليس رواية يكتبها الغاضبون، ولا تاريخاً يملكه المختلفون معه، ولا وطناً يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد.












































