اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
يبدو أن مستقبل المدن لن تحدده قدرتها على النمو فقط، بل قدرتها على التكيف والتعلم والاستجابة.. وعندما تنجح المدينة في تحقيق هذه المعادلة فإنها لا تواجه الحرب وحدها، بل تؤسس لمستقبل أكثر استقراراً واستدامة، مهما كانت طبيعة التحديات التي قد تفرضها السنوات المقبلة..
لا تُقاس قدرة المدينة على مواجهة الحرب بمدى تحصينها أو ابتعادها عن خطوط المواجهة، بل بقدرتها على امتصاص آثارها ومواصلة الحياة. وقد أشرتُ في مقال سابق بعنوان 'المدينة في زمن الحرب' إلى أن المدينة لم تعد مجرد مسرح للأحداث أو ضحية للحروب، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في معادلة الصمود ذاتها، وأن قدرتها على حماية سكانها والحفاظ على استمرارية وظائفها تمثل جانباً أساسياً من قدرتها على مواجهة الأزمات. واليوم، يبدو أن السؤال لم يعد مقتصراً على كيفية مواجهة الخطر، وإنما على كيفية الحد من تأثيراته في الحياة اليومية وفي استقرار المجتمع واستمرار النشاط الاقتصادي والخدمي.
لقد ارتبط تاريخ المدن دائماً بالأخطار التي واجهتها. فالمدن الكبرى لم تُبنَ عبر التاريخ لتكون تجمعات عمرانية فحسب، بل لتكون قادرة على حماية الإنسان وتنظيم حياته في أوقات السلم والأزمات على حد سواء. ولهذا فإن الحرب لم تكن في يوم من الأيام حدثاً عسكرياً منفصلاً عن العمران، بل كانت عاملاً مؤثراً في تشكيل المدن وتوجيه أنماط نموها وتطوير أدواتها الدفاعية والتنظيمية. فالمدن التي استطاعت البقاء عبر التاريخ لم تكن دائماً الأكثر قوة من الناحية العسكرية، بل الأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات وحماية مجتمعاتها والمحافظة على توازنها الداخلي.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة تجربة الرياض اليوم على أنها ليست مدينة بعيدة عن التحولات الإقليمية الجارية، بل هي عاصمة سياسية وإدارية واقتصادية تقع في قلب منطقة تتعرض لمتغيرات متسارعة. ومع ذلك استطاعت المحافظة على حيويتها واستمرار عمل مؤسساتها وخدماتها ومشروعاتها التنموية. وهذه القدرة لا تعود إلى عنصر منفرد، بل إلى منظومة متكاملة من البنية التحتية والمؤسسات والخدمات والشبكات التي تمنح المدينة مرونة في مواجهة الضغوط واستيعاب آثارها. لكن امتصاص آثار الحرب لا يعني أنها محصنة بالكامل ضد تداعياتها. فالرياض، شأنها شأن المدن الكبرى في العالم، تواجه تحديات ترتبط بالنمو السريع واتساع الرقعة العمرانية والاعتماد المتزايد على شبكات مترابطة للخدمات والنقل والاتصالات. وقد تتحول بعض عناصر القوة ذاتها إلى عناصر ضغط إذا تعطل مرفق حيوي أو تركزت الخدمات في مواقع محدودة أو تأثرت مسارات الحركة الرئيسة. ولهذا فإن قوة المدينة لا تُقاس بحجم ما تملكه من إمكانات فقط، بل بقدرتها على توفير البدائل واستمرار الأداء في الظروف الاستثنائية.
ولعل ما يلفت الانتباه أن مفاهيم الصمود الحضري تغيرت كثيراً عما كانت عليه في الماضي. ففي مقال آخر سابق حول 'عمارة الحرب' أشرتُ إلى أن المدن التي تمكنت من البقاء عبر التاريخ لم تعتمد على الأسوار والتحصينات وحدها، بل على بناء الإنسان وتعزيز التعليم والصحة والقدرة المؤسسية والاجتماعية على التكيف مع التحولات. ومن هنا فإن مفهوم الحماية في المدينة المعاصرة يتجاوز البعد المادي ليشمل قدرة المجتمع نفسه على الاستمرار، وقدرة المؤسسات على العمل، وقدرة السكان على التكيف مع الظروف الطارئة دون فقدان توازنهم وثقتهم بمدينتهم.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية أن يصبح الاستعداد جزءاً من الممارسة التخطيطية اليومية لا مجرد استجابة ظرفية للأزمات. فالتخطيط الناجح هو الذي يوزع الخدمات بصورة متوازنة، ويوفر خيارات متعددة للحركة والتنقل، ويضمن وصول المعلومات الموثوقة إلى السكان في الوقت المناسب، ويأخذ في الحسبان احتياجات الفئات الأكثر تأثراً بالمخاطر، مثل كبار السن والأطفال وذوي الإعاقة. فالاستجابة الفاعلة لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل تُبنى مسبقاً من خلال التخطيط والتنسيق والتدريب واختبار الجاهزية بشكل مستمر.
ولعل ما يميز الرياض في هذه المرحلة هو قدرتها على مواصلة النمو والتوسع العمراني بالتزامن مع رفع مستوى جاهزيتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات. فالمدينة التي تستمر فيها الأنشطة الاقتصادية والخدمات العامة ومشروعات التنمية في أوقات التوتر تمتص جانباً مهماً من الأثر النفسي للأزمات وتحافظ على شعور السكان بالاستقرار والثقة. غير أن هذا النجاح ينبغي ألا يقود إلى الاطمئنان المفرط؛ فالتخطيط للمخاطر لا يعني توقع الحرب، بقدر ما يعكس مسؤولية حضرية تهدف إلى حماية الإنسان والحفاظ على مكتسبات التنمية.
إن الحرب تكشف حقيقة المدينة، كما تكشف حقيقة المجتمع الذي يعيش فيها. وإذا كان السؤال الذي طرحناه في 'المدينة في زمن الحرب' يتعلق بقدرة المدينة على الصمود والاستمرار، وكان السؤال الذي ناقشته 'عمارة الحرب' يتعلق بالأسس الفكرية والعمرانية التي تجعل هذا الصمود ممكناً، فإن التحدي اليوم يتمثل في تحويل تلك الدروس إلى نهج تخطيطي دائم؛ نهج يجعل المرونة جزءاً من هوية المدينة، ويعزز قدرتها على مواجهة التحولات، ويضمن أن يبقى الإنسان دائماً في قلب استجابتها لكل خطر، وفي صلب رؤيتها للمستقبل.
وربما يكون أهم ما تعلمنا إياه الأزمات أن المدينة ليست طرقاً وجسوراً ومبانيَ فحسب، بل هي منظومة من القيم والعلاقات والمؤسسات القادرة على إنتاج الاستقرار حتى في أصعب الظروف. فالمدن التي تنجح في مواجهة التحديات ليست تلك التي تمنع وقوع المخاطر بصورة مطلقة، وإنما تلك التي تتعلم منها وتعيد بناء قدراتها على أساسها. وفي عالم تتزايد فيه حالة عدم اليقين وتتداخل فيه المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية، يبدو أن مستقبل المدن لن تحدده قدرتها على النمو فقط، بل قدرتها على التكيف والتعلم والاستجابة. وعندما تنجح المدينة في تحقيق هذه المعادلة فإنها لا تواجه الحرب وحدها، بل تؤسس لمستقبل أكثر استقراراً واستدامة، مهما كانت طبيعة التحديات التي قد تفرضها السنوات المقبلة.










































