اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لم تعد مواجهة الفكر المتطرف في عالم اليوم قضية أمنية تقليدية، ولا مجرد استجابة لتهديدات الجماعات الإرهابية، بل أصبحت واحدة من أعقد معارك الدولة الحديثة؛ لأنها تستهدف البنية الفكرية للمجتمعات، وتضرب الثقة بالمؤسسات، وتسعى إلى تفكيك الهوية الوطنية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق أيديولوجيات قائمة على الإقصاء والكراهية والعنف.
ولهذا يقدم الأردن نموذجاً سياسياً وأمنياً وفكرياً متقدماً في التعامل مع ظاهرة التطرف، انطلاقاً من إدراك استراتيجي بأن حماية الدولة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما ببناء منظومة متكاملة تحصّن الإنسان، وتحمي المؤسسات، وتواجه مصادر التهديد قبل تحولها إلى خطر وجودي على الأمن والاستقرار.
لقد أدركت القيادة الهاشمية مبكراً أن التطرف ليس انحرافاً دينياً فحسب، بل مشروع سياسي يستثمر في الجهل والانقسام والأزمات، ويوظف المقدسات والمعتقدات لتحقيق أهداف تتعارض مع جوهر الدين وقيم الإنسانية.
ومن هنا جاءت رسالة عمّان عام 2004 باعتبارها محطة فكرية وحضارية مهمة في مواجهة الغلو والتكفير، وتأكيد الاعتدال وحرمة الدماء واحترام المذاهب الإسلامية، وتقديم خطاب إسلامي يقوم على التسامح والوسطية والتعايش.
إن أهمية هذه الرسالة لا تكمن في بعدها الديني فقط، بل في بعدها الاستراتيجي؛ إذ نقلت المواجهة من دائرة رد الفعل على التطرف إلى دائرة المبادرة في إنتاج خطاب فكري مضاد، قادر على تفكيك الأسس التي تستند إليها التنظيمات المتطرفة في تجنيد أتباعها وتبرير ممارساتها.
يمثل الأمن الوطني الأردني منظومة متكاملة تتجاوز مفهوم حماية الحدود إلى حماية الاستقرار السياسي والاجتماعي والمؤسسي.
لقد أثبتت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، قدرتها على التعامل مع التهديدات الإرهابية بمهنية وجاهزية عالية، في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الصراعات المسلحة، وشبكات التهريب، والتنظيمات العابرة للحدود.
وهنا تبرز حقيقة استراتيجية مهمة إن الدولة التي تمتلك مؤسسات أمنية محترفة، وعقيدة وطنية راسخة، وقيادة واعية، تستطيع تحويل التحديات الإقليمية إلى عناصر لتعزيز جاهزيتها وقدرتها على الردع.
لكن الردع العسكري، على أهميته، لا يكتمل دون تفكيك البيئة الفكرية التي تنتج التطرف، لأن مواجهة التنظيمات دون مواجهة أفكارها تعني التعامل مع النتائج وترك الأسباب لذلك أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للصراع على الوعي، ولم يعد التهديد مقتصراً على التنظيمات الإرهابية المعروفة، بل امتد إلى شبكات التحريض والتضليل، والحسابات الوهمية، وحملات التشكيك الممنهجة التي تستثمر الأزمات السياسية والاجتماعية لإثارة الفتن وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
إن أخطر ما في التطرف الرقمي أنه لا يحتاج إلى تنظيم معلن أو قيادة مركزية في كل الأحوال؛ فقد تبدأ عملياته بمنشور تحريضي، أو مقطع مجتزأ، أو رواية كاذبة، ثم تتحول بفعل إعادة النشر والتضخيم إلى حالة من الاستقطاب المجتمعي.
وهنا تصبح المسؤولية الوطنية للإعلاميين والأكاديميين والباحثين ومراكز الدراسات مسؤولية استراتيجية، تتطلب الانتقال من الإعلام التفاعلي إلى الإعلام الاستباقي، ومن ملاحقة الشائعات بعد انتشارها إلى تحليل أنماط التضليل ومصادره ودوافعه.
كما أن قياس الرأي العام وتحليل اتجاهات الجمهور لم يعودا ترفاً بحثياً، بل أصبحا من أدوات الإنذار المبكر، وصناعة القرار، وحماية الاستقرار المجتمعي.
فلا يمكن بناء مجتمع محصّن من التطرف دون إعادة الاعتبار لدور التعليم في بناء الشخصية النقدية المستقلة.
فالتطرف يجد فرصته في البيئات التي يغيب عنها التفكير التحليلي، وتضعف فيها ثقافة الحوار، وتتراجع فيها الثقة بالمستقبل، ويصبح فيها الشباب عرضة للاستقطاب والاستغلال.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير المناهج التعليمية، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وإدماج مفاهيم المواطنة وسيادة القانون وقبول الآخر في العملية التعليمية.
كما ينبغي تمكين الجامعات ومراكز الأبحاث من دراسة الظواهر المتطرفة وفق مناهج علمية، وتحليل دوافع الاستقطاب، وقياس أثر الخطاب المتشدد، وتقديم توصيات عملية لصنّاع القرار.
إن الاستثمار في العقل الأردني هو استثمار في الأمن الوطني طويل الأمد.
إن أخطر ما تسعى إليه الأيديولوجيات المتطرفة هو ضرب الروابط التي تجمع أبناء المجتمع الواحد، وتحويل الاختلاف إلى صراع، والانتماءات الفرعية إلى أدوات للتنازع.
وفي الأردن، تمثل الهوية الوطنية الاردنية ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار، بما تحمله من قيم الانتماء والولاء والتسامح والتعايش واحترام التنوع.
لقد أثبت المجتمع الأردني عبر تاريخه أن وحدته ليست مجرد حالة اجتماعية، بل عنصر قوة في بنية الدولة، وأن التعايش بين المسلمين والمسيحيين، واحترام التنوع، وصون الكرامة الإنسانية، ليست شعارات موسمية، بل ثوابت وطنية متجذرة.
ومن هنا، فإن مواجهة التطرف تعني أيضاً حماية النسيج الاجتماعي من كل خطاب يحاول تقسيم الأردنيين أو التشكيك في انتمائهم أو استهداف مؤسساتهم الوطنية.
لا يمكن قراءة التجربة الأردنية بمعزل عن محيطها الإقليمي، فالأردن يقع في منطقة شهدت حروباً وصراعات وانهيارات مؤسسية وصعوداً لتنظيمات متطرفة عابرة للحدود.
ورغم هذه التحديات، حافظ الأردن على تماسك مؤسساته، واستمر في أداء دوره في مكافحة الإرهاب والتطرف، ودعم الأمن الإقليمي، وتعزيز خطاب الاعتدال والتسامح.
وقد أسهمت مشاركته في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، ودوره في التحالفات والمبادرات المعنية بمواجهة التطرف العنيف، في ترسيخ حضوره شريكاً فاعلاً في الأمن والاستقرار.
لكن الأهمية الاستراتيجية للأردن لا تُقاس فقط بموقعه الجغرافي أو قدراته الأمنية، بل أيضاً بقدرته على تقديم نموذج لدولة تحافظ على توازنها الداخلي في محيط مضطرب، وتؤمن بأن الاستقرار لا يُبنى بالقوة وحدها، وإنما بالعدالة والتنمية والوعي والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
إن المرحلة المقبلة تفرض تطوير أدوات المواجهة من خلال بناء منظومة وطنية أكثر تكاملاً، تقوم على:
- إنشاء وتطوير قواعد بيانات بحثية لرصد مؤشرات التطرف وخطاب الكراهية.
- تعزيز دور مراكز الدراسات الاستراتيجية وقياس الرأي العام في تحليل التحولات الفكرية والاجتماعية.
- تطوير برامج وطنية للتربية الإعلامية ومكافحة التضليل الرقمي.
- تمكين الشباب والمرأة والأكاديميين من المشاركة في إنتاج خطاب الاعتدال.
- تعزيز الشراكة بين المؤسسات الأمنية والتعليمية والإعلامية والدينية.
- قياس أثر البرامج الوقائية بمؤشرات أداء واضحة، وعدم الاكتفاء بالأنشطة والشعارات.
- تطوير برامج إعادة التأهيل والدمج المجتمعي وفق أسس علمية وإنسانية.
فهذه المعركة تحتاج إلى عقل استراتيجي يقرأ المستقبل، ولا يكتفي بردود الفعل، وإلى مؤسسات تتبادل المعرفة والخبرة، وتتعامل مع التطرف بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد.
فالإرهاب قد يُهزم في ساحة المواجهة، لكن الفكر الذي ينتجه يحتاج إلى معركة طويلة من الوعي والتعليم والعدالة والبحث العلمي.
ولذلك، فإن قوة الأردن لا تكمن فقط في جيشه العربي وأجهزته الأمنية، على ما تمتلكه من كفاءة وجاهزية، بل تكمن أيضاً في تماسك جبهته الداخلية، ووعي شعبه، واعتدال خطابه، وثقته بمؤسساته.
إن الدولة التي تحمي حدودها بالقوة، وتحمي عقول أبنائها بالمعرفة، وتصون وحدتها بالعدالة والانتماء، هي الدولة الأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
وهذه هي المعادلة الأردنية التي يجب أن تبقى حاضرة في كل قراءة سياسية واستراتيجية: لا أمن مستداماً دون وعي، ولا استقرار دون عدالة، ولا وطن قوياً إذا تُركت عقول أبنائه فريسة للتطرف والتضليل.
الأردن ليس ساحة لتجارب الأيديولوجيات المتطرفة، ولن يكون ممراً لمشاريع الفوضى؛ فهو دولة مؤسسات وقرار سيادي، وشعب يمتلك من الوعي والانتماء ما يجعله شريكاً أصيلاً في حماية وطنه.












































