اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ أيلول ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
في أكتوبر عام 1957، استيقظ العالم على وقع صدمة مدوية فجّرها الاتحاد السوفيتي بإطلاق «سبوتنيك»، أول قمر اصطناعي يسبح في الفضاء، لم تكن تلك اللحظة مجرد نصر علمي، بل كانت جرس إنذار صارخ للولايات المتحدة والغرب، كشف عن حقيقة كونية: التقدم التقني لا يهبط من السماء فجأة، بل ينبت بجذور ضاربة في عمق سنوات من العمل الصامت.
واليوم، يتكرر التاريخ بمشهد أكثر عمقاً مع الصعود الصيني؛ فمن الصواريخ الفرط صوتية التي تخترق جدار الفيزياء، إلى معالجات الرقائق المتقدمة، وصولاً إلى وثبات نماذج الذكاء الاصطناعي الفائقة، تتبدى الإنجازات الصينية لتدهش العيان، غير أن العارفين يدركون أنها لم تكن يوماً ضربة حظ أو صدفة عابرة، بل هي الثمار الناضجة لعقود من التراكم المنهجي والبناء الدؤوب.
ولكي نتلمس حجم هذه الملحمة التراكمية بالأرقام، يكفي أن نتأمل ما حملته دراسة حديثة صدرت عن المركز الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة، والتي عكفت على تشريح وفحص 14 مليون براءة اختراع صينية سُجلت بين عامي 1985 و2023. لقد وثقت الدراسة تحولاً مرعباً؛ إذ قفزت براءات الاختراع الصينية في قطاع التقنيات الحرجة من عتبة لم تتجاوز 10 آلاف براءة سنوياً مع مطلع الألفية الجديدة، لتنفجر وتتخطى حاجز 400 ألف براءة في عام 2022 وحده، وبفضل هذه الوتيرة المتصاعدة، بات التنين الصيني يبسط ريادته اليوم في 69 مجالاً تقنياً حرجاً من أصل 74 مجالاً تصنع ملامح العصر.
باعتقادي، فإن المعجزة الحقيقية في التجربة الصينية لا تكمن في طوفان الأرقام والكم فحسب، بل في عبقرية 'التنوع والانتشار'؛ إذ لم تنحصر هذه الثروة المعرفية في خزائن شركات كبرى معدودة، بل تغلغلت في نسيج الدولة بأسرها، وهنا برزت الجامعات الصينية لتقود قاطرة هذا التحول بدور محوري يتجاوز بمراحل نظيره في التجربة الأمريكية.
إن هذا النموذج يعيد تذكيرنا بيقين لا يقبل الجدل: الابتكارات الكبرى في عصرنا الراهن لم تعد طفرات فردية ولا نتاج شركات معزولة، بل هي حصيلة تلاحم عضوي طويل الأمد، تلتقي فيه أبحاث الدولة العامة، وحيوية الجامعات، مع ذكاء القطاع الخاص ليرسموا معاً لوحة المستقبل.
وحين يسطع إنجاز تقني مدوٍّ في فضاء العالم، فاعلم أن جذوره قد تمكنت في باطن الأرض منذ عقود. إن الهواة وحدهم من ينتظرون ازدحام المضمار ليعلنوا بدء السباق، وأما الرواد فيعلمون أن من تأخرت بدايته، استحال لحاقه. هذا الدرس يقرع اليوم أجراس الوعي الاستراتيجي في أمتنا العربية والإسلامية؛ ليرسخ يقيناً جديداً بأن توطين المعرفة، وبناء الجسور الحية بين الفكر الأكاديمي ونبض الأسواق، لم يعد خياراً تجميلياً، بل هو طوق النجاة لضمان الوجود في خارطة المستقبل.
إن التقدم التقني لا يُباع في العلن، ولا يُستورد جاهزاً من وراء البحار، بل هو غراس يُسقى بالصبر، ويُراكم بالحكمة، ويُحصد من قاعات العمل الصامت. لقد صنعت الصين من هذا الصبر معجزتها، وتركت للعاكفين على عتبات الانتظار درساً لا يرحم.










































