اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
أعلنت شركة أنثروبك الأسبوع الماضي أمرا لم ينل الاهتمام المعتاد كما ناله الإعلان عن نموذج كلود جديد. فقد أعلنت الشركة عن معيار يمكن النماذج التحكم بالمعدات. بهذا المعيار يمكن تشغيل معمل أو مصنع كامل دون تدخل بشري يذكر. هكذا يكون الذكاء الاصطناعي قد عبر الحد الفاصل بين العالم الافتراضي والواقعي.
يمثل هذا التطور جزءا من حركة أوسع للدخول في عالم التحكم الآلي لأغراض مدنية وعسكرية. الغرض هو الوصول إلى آلات بقدرات تحكم ذاتي لرفع كفاءة التشغيل وإدارة الموارد على نطاق واسع. يثير هذا التطور سؤالا لم تكن له أولوية: ما مصير السيادة على الآلة عندما يصبح الذكاء الاصطناعي وسيطا بيننا وبين العالم المادي؟
ظل العصر الرقمي معتمدا تقنيا على الأصول المرئية لدرجة كبيرة. ومازالت الدول قلقة بشأن من يصنع معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، وأين تخزن البيانات، ومن يملك البنية التحتية السحابية. ومع أهمية هذه الأسئلة، لكن الذكاء الاصطناعي يضيف عبئا جديدا، فهو الآن يعمل وسيطا مؤديا دوره بالوكالة. وكلما توسع هذا الدور تعمق سؤال السيادة أكثر فأكثر.
تعامل المفكرون السياسيون تقليديا مع السيادة عبر مفهوم السلطة النهائية. وضع جان بودين السيادة في السلطة السياسية العليا، وربطها توماس هوبز بالقدرة على الحفاظ على النظام السياسي. بعد قرون، ميز مايكل مان السلطة السياسية الرسمية عن قوة البنية التحتية للدولة: قدرتها العملية على تنفيذ القرارات من خلال المؤسسات وعبر الحدود.
التمييز مهم في المؤسسة التقنية. يمكن للمؤسسة أن تمتلك السلطة القانونية لاتخاذ قرار لكنها تعجز عن تنفيذه لاعتمادها على أنظمة تقنية تعجز عن تشغيلها باستقلالية كاملة.
المشكلة إذن ليست الاعتماد في حد ذاتها. لا تستطيع الدول الحديثة صنع كل أشباه الموصلات أو كتابة كل مكون برمجي أو تشغيل كل تقنية تستهلكها. سيكون الاكتفاء الكامل مكلفا للغاية، وفي كثير من الحالات، له نتائج عكسية. لا يوجد تعارض بين السيادة والاعتمادية، لكن السؤال الأهم هو ماذا يحدث عندما تقيد الاعتمادية حرية العمل؟
أظهر هنري فاريل وأبراهام نيومان كيف يمكن لشبكات من الاعتمادية العالمية أن تولد تبعيات من طرف واحد. في هذه الشبكات، يملك بعض اللاعبين سيطرة على عقد حرجة تمنحهم نفوذا على الآخرين. تتحول هذه الاعتمادية داخل الشبكة بسرعة إلى سلاح، وبدخول الذكاء الاصطناعي إلى هذه الشبكات يتعمق دور الأنظمة التقنية وتتسع دائرة النفوذ.
لذلك نحتاج إلى الوصول لتعريف جديد للسيادة التقنية: تملك المؤسسة سيادة تقنية كاملة عندما تستطيع الحفاظ على حرية التصرف تقنيا في الظروف العادية وفي الأزمات في ظل اعتماد داخلي أو خارجي.
لا يوجد بهذا التعريف ترادف بين مفهومي السيادة والوطنية. يمكن للتقنية المطورة محليا أن تخلق اعتمادا عميقا يخل بالسيادة إذا سيطر عليها مورد واحد فقط. كما يمكن للتقنية أن تدعم السيادة وإن كانت خارجية إذا احتفظت المؤسسة بسيطرتها على البيانات والتشغيل.
في نهاية الأمر، إذا تولى الذكاء الاصطناعي إدارة العالم المادي بالوكالة، تصبح السيادة التقنية أكثر إلحاحا. لن يكون السؤال من يملك الذكاء الاصطناعي؟ لكن: من يسيطر على الأدوات التي يديرها هو نيابة عنا؟










































