اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
قبل أسبوعين، كتبت مقالا بعنوان «حرب هرمز الأخيرة على الأبواب»، وهو ما تقاطرت بوادره بالنار في الأيام الأخيرة، فبعد إعلانات متواترة من أقطاب الإدارة الأمريكية عن وقف قصف إيران، والاكتفاء بخنقها اقتصاديا، عاد القصف الأمريكي على إيران، وبدأ من محيط مضيق هرمز، وجرى قصف جزيرة لارك الإيرانية عند مدخل هرمز، وبدعوى وجود رادارات وشبكات اتصال وصواريخ حاملة للألغام، ثم توسعت الهجمات، وشملت جزيرة قشم وميناء بندر عباس وسيريك في محافظة هرمزجان، إضافة لمواقع أخرى في بوشهر وسيستان وبلوشستان، وعلى امتداد 2400 كيلومتر على شواطئ إيران الجنوبية.
وبدت خرائط الهجمات الأمريكية المتجددة، وكأنها تكرار لما جرى قبل أسابيع في حرب الأسبوعين وقصف الليالي الثلاث عشرة، وجرى الحديث مجددا عن جز العشب الإيراني، أي التدمير أولا بأول لموارد الخطر الإيراني على الملاحة في مضيق هرمز.
وواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مزاعمه عن السيطرة شبه الكاملة على مضيق هرمز، وعن حرية ملاحة السفن والناقلات في ممره السري المحمي بالقرب من شواطئ سلطنة عمان، وعن تدفق هائل للبترول إلى الأسواق عبر المضيق، وهو ما جاءت تقارير هيئات الرقابة البحرية لتكذبه، وتقول إن حركة الملاحة في المضيق لا تزال محدودة، وهو ما تريد إيران وقفه تماما، وقصر حرية العبور على ممراتها وبشروطها، وعلى نحو ما فعلت في إعفاء السفن والناقلات القادمة من العراق، كاستثناء سياسي محسوب .
وفي المواجهات النارية الجديدة، بدا الاختلاف ظاهرا، فالجيوش الأمريكية تتحرك، وكأنها قادرة على ضبط إيقاع الاشتباكات، والتحكم في ردود الفعل، وهو ما تصرفت القوات الإيرانية على العكس منه بالضبط، وتوسعت في نطاق الهجوم جغرافيا، وفتحت أربع جبهات في وقت واحد، وباتجاه القواعد الأمريكية بالمنطقة، من الأردن وأربيل إلى الكويت والبحرين، مع شن هجمة مسيرات باتجاه الإمارات، وفيما يقلل الأمريكيون من الأثر الفوري لهجمات الصواريخ والمسيرات الإيرانية، فإن الحرس الثوري الإيراني يتحدث عن إصابات مباشرة مؤثرة ودقيقة، وهذا التناقض في الإعلانات مألوف جدا في أوقات الحروب، وقد سبق للأمريكيين بالذات، أن أعلنوا فشل الهجمات الصاروخية الإيرانية على قواعدهم بالمنطقة، ثم جاءت صور الأقمار الصناعية المفرج عنها وتقارير المخابرات ووسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، وأكدت حدوث دمار هائل في نحو عشرين قاعدة أمريكية، وتحطيم محطات الرادار والدفاع الجوي وصواريخ باتريوت وثاد والقاذفات على الأرض، وهو ما قد يستغرق إصلاحه سنوات، إضافة للنفاد المتسارع للذخائر والصواريخ الهجومية الأمريكية .
والمعنى ببساطة، أن إيران تبدو عازمة على توسيع نطاق الاشتباك، وربما فك الحصار البحري الأمريكي بالقوة، واستثمار ظروف الهجمات الأمريكية المتكررة، وقد لا يقارن عاقل بين الحجم الهائل للقدرات الأمريكية، جوا وبحرا مع نظيرتها الإيرانية الأقل بكثير، وإن كانت الوقائع الحربية أثبتت، أن الأمريكيين لا يفوزون أبدا في الحروب غير المتماثلة، أو غير المتكافئة، وبالذات إن كان الخصم في مثل حالة إيران، التي صنعت أسطورة صمود مذهلة، بعد قطع الرأس الإيراني في أول ساعات الحرب الجارية المتصلة، وقتل المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي وعشرات من القادة العسكريين الكبار، لكن نظام الجمهورية الإسلامية استعاد تماسكه سريعا، وصنع لنفسه رأسا جديدة روحية وسياسية وعسكرية وتكنولوجية، وبدا أكثر تشددا وأعظم جرأة ومخاطرة، فيما لم يستوعب الأمريكيون الدرس أبدا، وراحوا يكررون المساعي ذاتها، ويعرضون مكافآت بعشرات الملايين من الدولارات مقابل معلومات، تقود إلى قطع رأس المرشد الجديد مجتبى خامنئي، وكبار قادة الحرس الثوري والجيش، وبافتراض مقدرة الأمريكيين على ارتكاب هذه الجرائم مجددا، فإنها قد لا تعني شيئا كثيرا في مسعى إضعاف وتفكيك المقدرة الإيرانية على الصمود، ولا فتح الباب لإسقاط النظام، مع وجود تأييد شعبي واسع النطاق، يستفزه الإحساس بالخطر على بقاء إيران وسلامة الوطن الإيراني المهدد، فيما يواصل ترامب هلاوسه عن مسح ومحو إيران، وإعلان انتصارات كاسحة، لم يأخذ بها أحد علما ولا خبرا يقينا .
وأهم إنجاز حققته إيران بعد نحو سبعة شهور من الحرب، أنها حطمت بصمودها ما يقال له هيبة أمريكا في العالم، التي يساعد ترامب نفسه على تحطيمها بغروره وحماقاته ونزواته الطفولية، التي جعلت أقرب حلفاء أمريكا في موقع المتربص بها، على طريقة كندا جارة أمريكا، التي يحاول ترامب مسح وجودها المستقل، وضمها إلى أراضي الولايات المتحدة كالولاية الواحدة والخمسين، ويغير اسم بحيرة أونتاريو الموجود قبل استقلال أمريكا نفسها بمئة وخمسين سنة، ويسميها بحيرة أمريكا، تماما كما غير اسم خليج المكسيك المجاورة، وجعله على خرائطه خليج أمريكا، وإلى غيرها من وقائع التزوير المتبجح المدفوع بمرض جنون العظمة، وهو ما له علاقة ـ طبعا ـ بما فعل ويفعل مع إيران، فقد سبق له أن سمّى مضيق هرمز باسم مضيق ترامب، وسمّاه بالأرض الأمريكية الجديدة على خرائط مولدة بالذكاء الاصطناعي، وليست مفارقة، أن تستفيد إيران من جنون ترامب الموصوف، وأن تكسب إلى جوارها قوى كبرى، أهمها الصين وروسيا، كما بدا في قمة قرغيزستان الأخيرة لتحالف شنغهاي، الذي حضره الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وحظى بدعم علني حار من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن الصين العظمى طبعا، التي أحبطت محاولة أمريكا دفع مجموعة العشرين لدعم موقفها الساعي لخنق الاقتصاد الإيراني وخلع النظام، ورغم أن الاجتماع عقد على الأراضي الأمريكية، فقد فشلت واشنطن في دفع الآخرين لمشاركتها في خنق إيران، واكتفت باستصدار بيان رئاسي يخصها ولا يلزم الآخرين، خصوصا الصين التي ترفع راية التحدي، سواء في مجموعة العشرين، أو حتى في أروقة مجلس الأمن ومناقشاته الأخيرة حول البرنامج النووي والعقوبات على إيران، وهددت ضمنا هي وروسيا باستخدام حق الفيتو لإحباط مقترح غربي قدمته فرنسا وقد لا تخفي علامات خسران ترامب لحروبه ضد إيران، حتى في أوساط الرأي العام الأمريكي، الذي تدنت معدلات تأييده لحرب أمريكا الخاسرة إلى 36% في استطلاعات رأي أخيرة، وتدنت معدلات تأييد ترامب نفسه إلى 33%، وهو ما قد يعزز احتمالات خسارة الحزب الجمهوري لأغلبيته الراهنة الطفيفة في مجلسي النواب والشيوخ، خلال انتخابات التجديد النصفي أوائل نوفمبر المقبل، وفيما يحاول ترامب التغطية على مخاوفه من أثر الانتخابات، فإنه اعترف بالخشية من فوز خصمه الحزب الديمقراطي في الانتخابات القريبة، وإمكانية تكرار الديمقراطيين لسيناريوهات محاكمته وعزله، أو تحويل سلطاته الرئاسية على الأقل إلى وضع البطة العرجاء، إذا فاز الديمقراطيون على الأقل بأغلبية المقاعد في مجلس النواب، وهو الاحتمال الأكثر توقعا إلى الآن .
إضافة لما سبق كله، تبدو آلة الحرب الأمريكية في وضع الفوضى والاضطراب غير المسبوق، وبالذات بعد إقالة أو استقالة قائد الجيش الأمريكي بضغط من وزير الحرب بيت هيغسيث، والأخير شخص أرعن تماما، يتخبط في قراراته، ويسحب من رصيد ترامب المهدد بالنفاد، ولا يستبعد أن يتخلص منه ترامب نفسه، ويحمله مسؤولية الخسارة في الحرب الأمريكية المتجددة على إيران، وهو ما قد يفسر لجوء وزير الحرب، وهو مجرد مذيع سابق في محطة فوكس نيوز اليمينية، ويحاول الآن في مأزقه، أن يستنجد بنفوذ اللوبي الصهيوني لدعمه في مواجهة احتمالات الإقالة، ويعلن الاستعداد لتلبية مطالب حكومة بنيامين نتنياهو في حيازة طائرات إف ـ 47 من الجيل السادس، رغم أن الطائرات المذكورة لا تزال بعد في أطوار التصنيع والتجارب، ولم تدخل إلى الخدمة بعد في الجيش الأمريكي نفسه .
وقد لا يصح لأحد أن ينسى أو أن يتناسى، أن الحرب الراهنة على إيران هي في الأساس حرب إسرائيلية جرت وتجري بجيوش أمريكية، بينها جيش كيان الاحتلال ذاته، الذي لا يستبعد أن يعود إلى المشاركة الرسمية في قصف إيران، أو في مهام اغتيالات القادة الإيرانيين، وهو ما قد يرى فيه نتنياهو دعما لفرصه المتآكلة في العودة لرئاسة حكومة إسرائيل بعد انتخابات الكنيست المقررة في أواخر أكتوبر المقبل، ويسعى نتنياهو إلى تعويض تراجعه وتراجع حزبه الليكود في استطلاعات الرأي، ويعيد إشعال حروب الدمار والإبادة من غزة والضفة إلى لبنان وسوريا، وربما ذهابا مجددا إلى حرب إيران، وتحسن إيران صنعا، لو أنها التقطت الفرصة، وبادرت إلى شن ضربات بصواريخها الأكثر تطورا على كيان الاحتلال، وعلى القواعد الأمريكية الكبرى في إسرائيل، التي هي في ذاتها أكبر قاعدة أمريكية في الدنيا كلها، وإنا لمنتظرون .












































