اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
د. عبدالرؤوف الخوفي
من المسلَّم به أنّ سؤال اللغة لا يكمن في الألفاظ فحسب، وإنما في قدرتها على إقامة الصّلة بين المُدرَك الذهني والتعبير اللفظي. وفي هذا الإطار يتشكّل تصوّر الوضع بوصفه الفعل الذي يجعل للّفظ جهةً يقصدها، ويمنحه قابلية الإحالة إلى معنى ما.. غير أنّ هذه الإحالة لا تستقر على هيئة واحدة، فهي تتوزّع بين مستويين: إحالة كلّية تتّسع لعدد غير محصور من الأفراد، وإحالة جزئية تنحصر في تعيين مرجع بعينه.
وهنا يتجلّى التمايز بين الوضع الكلّي والوضع الجزئي في طبيعة الإدراك نفسه. فالمعنى حين يتّخذ صورةً ذهنية قابلة للإحالة على عدّة أجزاء يتشكّل في هيئة كلّية، ويغدو اللفظ تابعًا لهذه القابلية. وأمّا إذا انحصر في تعيين فردٍ بعينه فإنّ اللفظ يُحاط بحدود ذلك التعيين ويأخذ طابعًا جزئيًا لا يتجاوز موضوعه.
غير أنّ ما يبدو للوهلة الأولى تمييزًا حادًّا ينحسر عند التأمل عن علاقةٍ أكثر تعقيدًا. فالكلّي لا يقبع خارج الجزئي، ولا يُدرك إلا من خلاله، بالإضافة إلى أنّ الجزئي لا يُفهم إلا في ضوء قاعدةٍ أوسع تندرج تحته؛ إذ إنّ كلّ لفظٍ يجري في الاستعمال إنّما يحمل في باطنه حركة مزدوجة، فيفتح المعنى على إمكاناتٍ متعدّدة، ثم يُقيّده في لحظة القول بمرجعٍ معين.
ولذا تتبدّى أهمية الوضع الكلّي في بناء اللغة بكونها لا تُدار عبر الإحالة إلى أفرادٍ متفرّقين، وإنما عبر قواعد تُتيح للمتكلم أن يُنتج خطابًا يتجاوز الحضور المباشر. فحين نقول “الفاعل” فنحن لا نشير إلى شخصٍ بعينه، وإنما نستدعي بنيةً ذهنية قادرة على أن تستوعب كل من يَصدر عنه الفعل. وهذه البنية لا تُلغي بطبيعة الحال الأفراد، لكنها تمنحهم إطارًا يُفهمون من خلاله.
ويتّضح عند هذا الحد أن الكلّي لا يُقاس بعدد ما يتحقّق منه في الخارج بل بمدى قابليته للإحالة. فحتى المفاهيم التي لا تتجسّد إلا في فردٍ واحد تظلّ محتفظة بطابعها الكلّي من حيث إمكان تصوّرها في غيره؛ حيث إنّ الذهن عندما يُنشئ التصوّر لا يُقيّده بواقعٍ مخصوص، وعليه تُترك فيه فسحةً لاحتمالاتٍ مفتوحة.
لكن الإشكال يتعقّد حين نتساءل: هل الموضوع هو الموجود الخارجي، أم الصورة الذهنية؟
فوفق رأي المناطقة يبدو في ظاهر الأمر أن اللغة تُشير إلى الخارج وإلى الأشياء كما هي غير أنّ التحليل لديهم يكشف أن اللفظ لا يتعامل مع الخارج مباشرة بل بوساطة التصوّر؛ حيث الذهن هو ما يُنشئ القابلية للإحالة، ويمنح الكلّي قدرته على الانتشار في الأفراد. وهذا ما يعترض عليه ابن تيمية كما أسلفنا في مقال سابق عندما انتقد استقلال التصوّرات الكلّية، أو اكتفاءها بذاتها في تفسير الدلالة.
وعليه فإنّ المناطقة يرون أنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى تمرّ عبر وساطةٍ لا يُمكن تجاوزها تتمثّل في التصوّر. فاللفظ لا يُلامس الموجود الخارجي مباشرة، وإنما يتّجه إلى صورةٍ ذهنية تتوسّط بينهما. وفي هذه الصورة تتحدّد جهة الدلالة، ومنها تسلك ممرًّا إلى الواقع. وعلى هذا الأساس يغدو الوضع فعلًا ذهنيًا في المقام الأول حتى وإن بدا في ظاهره إحالةً إلى الخارج.
ومع ذلك فإنّ الاقتصار على هذا البعد الذهني لا يكفي لفهم حركة اللغة من حيث جعله أصلًا مستقلًا في تفسير الدلالة كما هو الحال مع البنيوية التي تقوم على ثنائية دالٍّ ومدلولٍ فقط.. فالخطاب وهو يتحقّق في الاستعمال لا ينتقل من إمكانٍ سابق، بل يتعيّن ابتداءً في سياقٍ مخصوص.. وهنا يظهر دور الكلّي بوصفه اعتبارًا ذهنيًّا مُستفادًا من الجزئيات، وكأنّ المتكلم حين يختار لفظًا عامًّا لا يستحضر معنىً كليًا قائمًا في الذهن، بل يستعمله في سياقٍ يكسوه دلالةً جزئية تُحدِّدها القرائن، بحيث لا يظهر المعنى إلا في هذا التحقق الاستعمالي كما يرى ابن تيمية.
إنّ الوضع في ضوء ذلك إنما يتوسط بنية مستمرة تحكم حركته في الاستعمال ما يُبقي المعنى مبدأً معلقًا بين قابليةٍ ذهنية مفتوحة وتعيينٍ سياقي متجدّد. وفي هذا التعليق تتشكّل إمكانات الخطاب، وتتحدّد قدرته على أن يكون فهمًا للعالم وليس مجرد تسميةٍ له.
وعلى أيّة حال، فإنّ النظر في اللغة لا يستقيم مع افتراض معانٍ كليّة قائمةٍ في الذهن بالاستقلال عن موارد الاستعمال، وكأنها سابقةٌ على الخطاب وتُستدعى عند الحاجة. وبرأيي فإنّ الألفاظ لا تحمل دلالاتها بوصفها معاني ثابتة مستقلَّة، بل تتشكّل في كلِّ مقام، فتصدق من حيث إطلاقها على كثيرين، ثم تختصّ في الاستعمال بما يوجبه الحال. وبذلك تنكشف اللغة بوصفها فعلًا متحققًا في سياق، وليس مجرد وعاء لمعانٍ سابقة عليه.










































