اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
د. نجوى الكحلوت
يجيء اللفظ القرآني في موضعه محمّلًا بإيحاءاته الدقيقة، فيرسم المعنى ويهذّبه في آنٍ واحد. وفي قوله تعالى: »فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ » المائدة:31، تتجلّى كلمة «يواري» بصفتها اختيارًا دالًا، يفتح بابًا واسعًا لفهم العلاقة بين اللغة والقيمة.
تدور مادة «و ر ي» حول الستر المصحوب بالعناية، وهو سترٌ يتجاوز الحجب الظاهري إلى معنى الإخفاء اللطيف الذي يراعي المقام. فالمواراة تحمل في طيّها إحساسًا بالمسؤولية، وتشي بحضور معنى الحياء في الفعل ذاته، وكأن الستر هنا عملٌ مقصود تُصاحبه نفسٌ يقِظة.
ويحمل السياق القرآني هذا الفعل في مشهد تعليمي بالغ الدلالة؛ إنسان يقف أمام أثر جريمته، فيُبعث إليه غراب يبحث في الأرض، فيتعلّم منه الكيفية. ويبرز التعبير: «كيف يواري» ليؤكد أن العناية موجّهة إلى الكيف، إلى الطريقة التي يُؤدَّى بها الفعل، بما يشتمل عليه من شعورٍ داخلي يليق بحرمة الجسد.
واقتران «المواراة» بـ«السوأة» يمنح التركيب انسجامًا خاصًا؛ فالسوأة ما يُستحيا من ظهوره، والمواراة فعلٌ يحقّق ستره على وجهٍ يحفظ الكرامة. فيلتقي اللفظان في شبكة دلالية واحدة، تتكامل فيها الرؤية اللغوية مع الحسّ الإنساني.
ويكشف هذا الاختيار عن بُعدٍ حضاري مبكر؛ إذ تتأسس من خلاله قيمة صيانة الجسد بعد الموت، وتُستدعى معاني الرحمة والحياء في أول درس يتلقّاه الإنسان بعد لحظة العنف. فتغدو المواراة فعلًا يجمع بين الحركة المادية والدلالة الأخلاقية، ويعبّر عن انتقال الإنسان من الاضطراب إلى نظامٍ قيميٍّ يضبط سلوكه.
وفي هذه الكلمة يتبدّى قدرٌ من طاقة اللغة على احتضان المعاني وتوجيهها؛ إذ تقدّم فعلًا صغيرًا في مبناه، عميقًا في أثره، يحمل في حروفه صورة الستر، وفي أبعاده صون الكرامة، كما أنه يؤسس لوعيٍ إنساني يرى في الستر قيمة، وفي الفعل الأخلاقي امتدادًا للمعنى اللغوي.










































