اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
تهاني بنت عبدالله الخيّال
لو رأيت العالم بعيني امرأة.. لربما أدركت أن الاختلاف لم يكن يومًا خصومة، بل حكمة.
قبل أن تبدأ قراءة هذا المقال، لا أطلب منك أن توافقني، ولا أن تعارضني، ولا أن تبحث بين السطور عمن أدافع عنه.
كل ما أرجوه منك أن تترك أحكامك المسبقة عند بداية هذه الصفحة، وأن تسمح لي، كامرأة، أن آخذك لدقائق قليلة إلى عالم قد لا تكون دخلته من قبل.
ليس لأن المرأة لغز، ولا لأنها كائن يصعب فهمه، بل لأننا في كثير من الأحيان، نتحدث عنها أكثر مما نستمع إليها.
منذ سنوات طويلة، والناس يسألون سؤالًا واحدًا: ماذا تريد المرأة؟، ولم يتوقف كثير منهم أمام سؤال آخر، ربما كان أكثر عدلًا: هل جلسنا يومًا لنسمعها؟ فالمرأة ليست معادلة معقدة حتى تُحل. وليست لغزًا حتى يُفك. هي إنسان..
له قلب، وعقل، وطموح، ومخاوف، وأحلام، تمامًا كما للرجل. لكن الله خلق لكلٍ منهما طريقته الخاصة في رؤية الحياة. ولم يكن الاختلاف بينهما خطأً يحتاج إلى تصحيح. بل حكمة تستحق أن تُفهم.
دعني أخبرك بشيء قد يفاجئك.
لا أعرف امرأة حقيقية استيقظت صباحًا وهي تقول: كيف سأنافس رجلًا اليوم؟ ولا أعرف امرأة ناجحة كانت ترى أن نجاحها لا يكتمل إلا إذا خسر رجل.
هذه ليست معاركنا، وربما لم تكن يومًا كذلك.
نحن لا نريد أن نصبح رجالًا.
ولو أراد الله ذلك لخلقنا رجالًا، لكن الله خلقنا نساء، وخلق الرجل رجلًا، ولم يجعل أحدنا نسخة من الآخر، لأن النسخ لا تبني الحياة، أما الاختلاف فيبنيها.
وأتعلم ما الذي يشغل كثيرًا من النساء؟
ليس كيف نكون أقوى من الرجل، بل كيف ننجح دون أن نفقد أنفسنا، كيف نحقق أحلامنا.. ونبقى كما خلقنا الله.
كيف نكون حازمات عندما يستدعي الموقف الحزم.. ورحيمات عندما يحتاج من حولنا إلى الرحمة. كيف نحمل مسؤولياتنا المهنية بكل جدارة.. ثم نعود إلى بيوتنا فنكون أمهات، أو زوجات، أو بنات، أو أخوات، دون أن نشعر أن نجاح أحد الأدوار جاء على حساب الآخر. هذه ليست بطولة. وليست تضحية. بل هي الحياة التي تعيشها ملايين النساء كل يوم.
وربما هنا يبدأ الاختلاف الذي لا يراه كثيرون. ليس لأن الرجل لا يشعر. ولا لأن المرأة تشعر أكثر. بل لأن الله خلق لكل واحد منهما لغة مختلفة في التعبير. قد يرى الرجل القرار. وترى المرأة أثر القرار على الإنسان. قد ينشغل الرجل بالغاية. وتنشغل المرأة أحيانًا بالطريق الذي أوصل إليها. وقد يسمع الرجل الكلمات. بينما تسمع المرأة ما بين الكلمات. ليس لأن أحدهما أفضل من الآخر. بل لأن كليهما ينظر إلى المشهد من زاوية مختلفة. ولو تشابهت الزوايا.. لفقدت الحياة كثيرًا من جمالها.
وأعترف لك بشيء.. أكثر ما يؤلم المرأة ليس كثرة المسؤوليات. فالرجل أيضًا يحمل من المسؤوليات ما يكفي لأن يرهقه.
وليس العمل. فالعمل شرف للرجل والمرأة.
وليس النجاح. فالنجاح نعمة تستحق الشكر.
لكن أكثر ما يؤلم المرأة.. أن تضطر، في أحيان كثيرة، إلى شرح نفسها. أن تشرح لماذا اختارت. ولماذا رفضت. ولماذا صمتت. ولماذا تكلمت. وكأن عليها أن تقدم تفسيرًا دائمًا لطبيعتها. مع أنها لا تطلب أكثر من أن تُفهم قبل أن يُحكم عليها. أن تنجح المرأة، فيُقال إن الحظ خدمها أو إن أحدًا ساندها. وأن تخفق، فيُقال ببساطة: لأنها امرأة.
وأتعلم ما الذي نبحث عنه؟
ليس المجاملة. ولا الامتيازات. ولا أن تُخفف عنا معايير النجاح. بل العدل. أن يكون المعيار واحدًا. إذا نجحنا، قيل: نجحت باستحقاق. وإذا أخطأنا، حوسبنا على الخطأ نفسه الذي يُحاسب عليه غيرنا. فالمرأة لا تطلب بابًا خاصًا لأنها امرأة.
بل بابًا عادلًا.. يُفتح للكفاءة حين تستحق.
ولهذا، لم أفهم يومًا لماذا يظن بعض الناس أن نجاح المرأة يعني خسارة الرجل. فالنجاح لا يُقسم بين البشر كما تُقسم الغنائم. واليوم، حين نرى المرأة السعودية طبيبة، ومهندسة، ومستثمرة، وسفيرة، وباحثة، ورياضية، ورائدة في برامج الفضاء، فإننا لا نرى انتصارًا للمرأة على الرجل. بل نرى وطنًا قرر أن يستثمر في جميع طاقاته. لأن الأوطان لا تُبنى بنصف مجتمعها. بل بكل أبنائها وبناتها.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يقول سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان: 'لن ننجح بينما نصف المجتمع معطل.'
لم تكن هذه عبارة عن المرأة وحدها. كانت عبارة عن الوطن. لأن تعطيل أي طاقة وطنية.. هو خسارة للوطن قبل أن يكون خسارة لصاحبها. واليوم، لم يعد حضور المرأة السعودية في الاقتصاد، والاستثمار، والتقنية، والأمن، والطب، والهندسة، والبحث العلمي، والدبلوماسية، والرياضة، وبرامج الفضاء خبرًا استثنائيًا. بل أصبح صورة طبيعية لوطنٍ يؤمن بأن الكفاءة لا تُقاس بجنس صاحبها، بل بما يقدمه لوطنه.
ولعل أجمل ما قيل في المرأة لم يكن شعرًا. ولا فلسفة. بل وصية نبوية خالدة.
حين قال رسول الله ﷺ: 'استوصوا بالنساء خيرًا'
لم تكن وصية إلى الرجل أن يشفق على المرأة، ولا أن يجاملها. بل أن يحسن فهمها، ويعدل معها، ويرفق بها. فالرفق لا يولد من الشفقة، بل من الفهم.
وأرجو.. قبل أن تغلق هذه الصفحة.. ألا تقول:
'الآن فهمت المرأة' فالمرأة، كما الرجل، لا يختصرها مقال. لكن إن خرجت من هنا وأنت أكثر هدوءًا قبل أن تفسر صمتها.. وأكثر إنصافًا قبل أن تحكم عليها.. وأكثر احترامًا لهذا الاختلاف الجميل الذي خلقه الله بينكما.. فربما تكون قد اقتربت خطوة من الحقيقة. لأن المرأة لم تكن يومًا تبحث عن أن تكون رجلًا. ولم تطلب من الرجل أن يكون امرأة. كل ما أرادته.. أن تُرى كما خلقها الله.
امرأة لا تشبه الرجل، ولا تقل عنه، ولا تزيد عليه، بل خُلقت مختلفة ليكتمل بها، لا لتنافسه.










































