اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
التوترات الملاحية تثبت أن النظام الدولي لا يواجه أزمة أمن ملاحي مؤقتة، وإنما يعيش مرحلة إعادة هيكلة جذرية ترسم خريطة نفوذ جديدة، وتظهر أن الجغرافيا البحرية قد أغلقت صفحات 'المرور الحر والمشترك'، وبدأت في فتح فصل مقلق من فصول 'السيادات المائية المجزأة' وعسكرة الممرات..
نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية في 17 سبتمبر 2026 تفاصيل سقوط مدينة 'المخا' ومينائها الاستراتيجي، بالتزامن مع اجتياح ميليشيا الحوثي لجزيرة 'ميون' وسط مضيق باب المندب. وهذه القرصنة المسلحة، التي استهدفت الأراضي السعودية بصواريخ ومسيرات حوثية وقصفت مطار عدن رداً على عملية 'فجر اليمن'، تعيد إلى الذاكرة حصار الأسطول العثماني لمضيق ملقا عام 1569 وشلّه لتجارة مملكة إسبانيا وجمهوريات جنوة والبرتغال والبندقية، وتحويل الممرات المائية من معابر عبور حر إلى أدوات تطويق استراتيجي للتجارة البحرية دون الحاجة لدخول عواصمها. وتضع النظام العالمي أمام حقيقة موجعة، تؤكد أن الجغرافيا المائية قد تحولت من ممرات تجارية آمنة إلى سلاح ابتزاز سياسي.
الضغط الجيوسياسي في باب المندب يربك إمدادات الطاقة العالمية، كتحذير وكالة الطاقة الدولية، والارتفاع المفاجئ لخام برنت لمستوى 110 دولارات للبرميل بمجرد سقوط الساحل الغربي لليمن، وانتقال 'تأثير الدومينو' لاستهداف ناقلات النفط وتصعيد الهجمات الحوثية، ما دفع أرامكو لتعليق بعض شحناتها للمصافي الأوروبية. وتبرز خطورة المشهد في تجميد قرابة 4.5 ملايين برميل يومياً من النفط ومشتقاته. ورغم نجاح عملية 'فجر اليمن' باستعادة 'ميون'، والسماح لأرامكو باستئناف صادراتها بمعدل 1.5 مليون برميل يومياً، قدمت أسابيع الاحتلال دليلاً ميدانياً على سهولة الإغلاق المادي لـ'القناة الغربية'، الشريان المائي الوحيد لوصول ناقلات النفط لأسواق حوض المتوسط وأوروبا وأميركا الشمالية، وتحويل الملاحة لمصيدة مكشوفة تتساقط فيها المقذوفات منخفضة الكلفة. واستناداً لتقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في سبتمبر 2026، فإن عدم حسم الأزمة، وتجاهل تهريب الأسلحة بحراً إلى الحديدة، سيمهدان لقيام نظام ملاحي مجزأ نتيجة 'تشبيك المضيقين'، بدمج اضطرابات هرمز وباب المندب، وتحويل عسكرة البحار لساحة صراع مفتوحة.
أزمة المعابر المائية لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، وإنما تشعل حرب أعصاب في جنوب شرق آسيا، وتحديداً بمضيق ملقا، المعبر الحدودي ومفتاح الاستقرار الاقتصادي الصيني، بحسب تقرير مركز الأبحاث الاستراتيجية والدولية. ويعتبر المضيق خياراً إجبارياً لمرور 80% من واردات بكين من النفط، ما يحوله لساحة ابتزاز جيوسياسي لخضوعه لمراقبة الأساطيل الأميركية. وتحاول بكين الالتفاف على هذا 'التطويق الجغرافي' باستثمارات مليارية لإقامة ممرات برية في باكستان وميانمار، إلا أنها تظل قاصرة عن استيعاب التدفق التجاري. وحتى 'طريق الحرير القطبي' مع موسكو يصطدم بفترات التجمد الطويلة وكلفة كاسحات الجليد المليارية؛ ليعود التنين مرغماً لكماشة ملقا، ما يفسر تحوله لخط مواجهة مباشر بين بكين وواشنطن، لتصبح ضمانات أمن الطاقة الصيني رهينة لقرارات الإغلاق من القواعد والمنافذ المشرفة عليه.
المعركة الجارية حول الممرات المائية الضيقة تكشف عن مأزق تنظيمي صعب، وفيها إشارة إلى التآكل الكامل للمنظومة القانونية والتشريعية التي حكمت البحار والمضائق الدولية لعقود طويلة.. وفرض الحظر العسكري بالقوة على السواحل يأتي وكأنه إعلان عن سقوط هيبة 'اتفاقية مونترو' لعام 1936، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982؛ وذلك بعدما تحولت بنودهما المنظمة لحرية مرور السفن التجارية والقطع الحربية إلى مجرد حبر على ورق. واللافت أن هذه المعاهدات لم يعد لديها سلطة ردع قانونية أو مادية تمنع عسكرتها؛ فقد انهار منطق البيروقراطية البحرية القديم أمام سياسة الأمر الواقع. ومن الناحية العملية، القوانين الدولية لا يمكنها حماية الممرات المائية ما لم تُدعم بقوة عسكرية حاضرة على السواحل، واستمرار الاتفاقيات القديمة دون تحديث جذري سيحوّلها لغطاء رسمي يشرعن الفوضى الملاحية ويحرض عليها.
الانهيار التنظيمي لمعابر الملاحة لم يقف عند حدود التوترات السياسية، وإنما تُرجم فوراً إلى صدمة مالية قاسية ضربت مفاصل الاقتصاد الدولي، وأدخلت أسواق الشحن في حالة إرباك مادي موثق بالأرقام. واستناداً لتقارير مؤشر 'دروري' العالمي للحاويات في منتصف سبتمبر 2026، استقرت كلفة شحن حاوية الـ40 قدماً عند مستويات مرتفعة قاربت الـ4500 دولار، نتيجة لإجبار السفن على الدوران حول قارة أفريقيا وسلوك طريق رأس الرجاء الصالح. وكشفت دراسات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لهذا العام أن هذا المسار سجل صعوداً قياسياً في مسافات الإبحار العالمية بنحو 17%، مستهلكاً قرابة 6% من طاقة الأساطيل البحرية الفعالة. والتراجع في كفاءة النقل لم يقتصر على إطالة مدة الرحلة بمعدل يتراوح بين 10 إلى 14 يوماً، ولكنه ساهم في إقرار رسوم جديدة جاء في مقدمتها علاوات مخاطر الحرب لشركات التأمين البحري التي تجاوزت 1.5% من قيمة هيكل السفينة، ما فرض كلفة مليونية إضافية على الرحلة الواحدة، ليحيل أزمات المضائق الحرجة إلى موجات غلاء غير متوقعة تدفع فاتورتها الأسواق الاستهلاكية في أوروبا وأميركا الشمالية.
التوترات الملاحية تثبت أن النظام الدولي لا يواجه أزمة أمن ملاحي مؤقتة، وإنما يعيش مرحلة إعادة هيكلة جذرية ترسم خريطة نفوذ جديدة، وتظهر أن الجغرافيا البحرية قد أغلقت صفحات 'المرور الحر والمشترك'، وبدأت في فتح فصل مقلق من فصول 'السيادات المائية المجزأة' وعسكرة الممرات، وتم ذلك بقرار من القوى المطلة عليها وبفعل عجز عواصم القرار عن حماية هذه المنافذ الاستراتيجية، ما أعاد صياغة مفهوم السيادة الوطنية، وفي عالمٍ لا يحترم المعاهدات وتتحكم فيه الصواريخ والمسيّرات الحاضرة على السواحل، فإن من لديه سلطة على المعابر والمضائق الحرجة؛ لا يسيطر على حركة الحاويات وسلاسل الإمداد وحدها، ولكنه يستطيع التحكم في الاقتصاد العالمي بأكمله.










































