اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
رياض عبدالله الحريري
«الوعي من لوازم المعرفة»، وإلا فهي معرفة مشؤومة وحصيلة موهومة، ونحن اليوم أمام أحد أهم صنّاع المعرفة وروّاد الوعي بطبيعة الحال، ولعل إحدى مفارقات الوجود المعاصر أن تتسع أمام الإنسان منافذ الاطلاع حتى تضيق عليه مسالك اليقين، وأن يمتلك من وسائل المعرفة ما لم تمتلكه أجيال سبقته، ثم يجد نفسه أحوج ما يكون إلى التثبت مما يعرف، وإلى مساءلة ما يعتقد أنه يعرف
للإعلام في تاريخ الوعي الإنساني منزلة تتجاوز رواية الوقائع إلى تشكيل طرائق النظر إليها، فالمعلومة حين تبلغ الإنسان تدخل في نسيج إدراكه، وتجاور ما استقر في ذاكرته من قناعات وتجارب وأحكام، ثم تسهم في بناء موقفه من العالم، ولهذا فإن أثر الإعلام يتجاوز حدود الخبر إلى ما يترتب عليه من تصورات، وما تنشأ عنه من مواقف، وما يستقر بسببه في الوعي الجمعي من معانٍ قد تطول إقامتها بعد انقضاء أسبابها
أعادت التحولات الرقمية توزيع أدوار المشهد الإعلامي على نحو يستحق التأمل، إذ انتقلت القدرة على النشر من نطاق المؤسسات المتخصصة إلى فضاء يتسع لكل فرد، وأصبح المتلقي شريكًا في صناعة التداول، مانحاً للمعلومة وامتدادًا جديدًا كلما أعاد إرسالها، ويضيف إليها من ثقته الشخصية ما قد يعجز مصدرها الأصلي عن اكتسابه.
في الأزمات تتكشف هذه المسألة بوضوح أكبر، فالإنسان حين يقلق يشتد طلبه للمعلومة، وقد يقبل من الروايات ما يمنحه تفسيرًا سريعًا لما يخشاه، وهنا تتسع قابلية المجتمع للتأثر بالأخبار المبتورة والتفسيرات المتعجلة، وتتجاوز تبعات الخطأ حدود صاحبه إلى دائرة أوسع من الناس، فالكلمة التي تنتقل بين الأفراد قد تغيّر تصورًا عامًا، والصورة التي تخرج من سياقها قد تثير قلقًا جماعيًا ينحسر عن الحقيقة تمامًا كما انحسر اكتمالها قبل النشر.
من هنا تتجلى قيمة التوقف قبل النشر، فالتوقف لحظة يمارس فيها العقل حقه في التقدير، ويسأل عن المصدر الأول، وعن تاريخ الواقعة، وعن السياق الذي يمنحها معناها، وعن المرجع الذي يمكن أن يؤكدها أو ينفيها، وفي هذه الأسئلة البسيطة تتشكل ممارسة عميقة للوعي، وأول من يقع عليه النظر هو الإعلامي بكل تداخلاته وأطيافه، إذ تتصل مهنته بحق الناس في المعرفة، وتتأسس مكانته على الثقة التي يمنحونها لما يصدر عنه، وكلما اتسعت قدرته على الوصول إلى الجمهور تضاعفت مسؤوليته عن سلامة ما يقدمه، وحسن تقديره للموازنة بين السرعة والدقة، وقدرته على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، وإدراكه أن السمعة المهنية حصيلة طويلة من المواقف التي قد تختصرها لحظة واحدة من التهاون.
لن أتحدث عن المسؤولية الوطنية، فهي مسؤولية جامعة لكل من يمشي على تراب هذه الأرض، فهي حاضرهم ومستقبلهم، والدفاع عنها عقيدة، وصيانتها قيمة، والذود عنها شرف عشنا به وتربينا عليه، ومن تمام الوفاء لهذا الوطن أن نحرس وعيه، ونصون حقيقته، وندافع عنه، كلٌّ بدوره ومهمته، وقد أثبتت التجارب أن الأوطان تحميها أقلامها كما حمتها سيوفها، وهنا تتجلى منزلة الجندي الإعلامي الذي نطمح أن نكونه، بما يحمله من وعي بمقام الكلمة، وإدراك لتبعاتها، واستشعار لما يترتب عليها من أثر يتجاوز صاحبها إلى وطنه ومجتمعه
ختامًا، جنود الإعلام روّاد فخر، وقادة على ثغر، وكل من يملك أداة إعلامية ورسالة مؤثرة هو إعلامي وجندي في جيش هذا الوطن، وما أحوجنا إلى وعي الرسالة قبل نشرها، وإدراك الأثر قبل بلوغه، فالأوطان التي نعتز بها تستحق منا أن نكون على قدر الكلمة التي نقولها، والحقيقة التي ننقلها، والمسؤولية التي نحملها.










































