اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. زينب الخضيري
ما قيمة المثقف إن لم يكن له أثر في وطنه؟ وما جدوى المعرفة إن ظلت حبيسة الكتب، بعيدة عن نبض الشارع وأسئلة الإنسان وتحولات المجتمع؟ وهل يكفي أن نحب أوطاننا، أم أن الوطنية الحقيقية تقتضي أن نفهمها، ونقرأ واقعها، ونمتلك شجاعة التفكير في مستقبلها؟ في عالم يعيد تشكيل نفسه عبر التكتلات العلمية والفكرية والاقتصادية، لم يعد المثقف مجرد شاهد على التحولات، ولا صوتاً يعلو في المناسبات، إنما أصبح معنياً بالمشاركة في صناعة الوعي، واستشراف المستقبل، وتحصين المجتمع من الأفكار التي تهدد تماسكه، دون أن يتحول هذا التحصين إلى عزلة فكرية أو خوف من الاختلاف. فالأوطان القوية لا تخشى الأسئلة، وإنما تخشى غياب العقول القادرة على الإجابة عنها.
إن الوطنية في أعمق معانيها ليست انفعالاً عابراً، ولا خطاباً احتفالياً يتردد في المناسبات، هي وعي نقدي ومسؤولية أخلاقية وممارسة معرفية تنطلق من الإيمان أن الوطن لا يُبنى بالعاطفة وحدها، وإنما بالفكر والعمل والصدق في تشخيص الواقع، فحب الوطن لا يعني أن نراه كاملاً، حب الوطن أن نمتلك الشجاعة لرؤية ما يحتاج إلى تطوير، والحكمة في اقتراح ما يجعله أفضل، ومن هنا تتجلى مسؤولية المثقف السعودي، أستاذاً جامعياً كان، أو باحثاً، أو مفكراً، أو أديباً. فليس دوره أن يكتفي بوصف المشهد، أو أن ينشغل بالتنديد والشكوى، وإنما أن يحوّل المعرفة إلى مشروع اجتماعي، والبحث العلمي إلى أداة لفهم التحولات، والفكر إلى قوة ناعمة تسهم في بناء الإنسان وتعزيز انتمائه. ولا يمكن أن نغيّر واقعاً لم نفهمه، أو نستشرف مستقبلاً لم نقرأ مقدماته. لذلك ينبغي أن يكون الواقع السعودي، بكل ما يحمله من تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية، مادة حية للبحث والتحليل والدراسة الميدانية، بعيداً عن التحيز والمبالغة والمجاملات، فالأوطان لا تحتاج إلى صور مثالية زائفة بقدر حاجتها إلى عقول صادقة تقرأ إنجازاتها وتحدياتها بوعي واتزان.
ولعل أخطر ما تواجهه المجتمعات في الأزمات ليس الحدث ذاته، وإنما المعركة التي تدور حول تفسيره، فمن يملك القدرة على تشكيل الوعي يستطيع التأثير في المواقف والاتجاهات، وربما في مستقبل المجتمعات نفسها. ولهذا أصبحت الثقافة جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني بمفهومه الشامل، لا باعتبارها أداة للدعاية أو ترديد الخطاب الرسمي، انما بوصفها فضاءً لبناء المواطن الواعي القادر على التفكير والمساءلة والتمييز.
إن الأوطان لا تُحمى بالقوة المادية وحدها، وإنما بعقول مواطنيها ووعيهم وقدرتهم على قراءة العالم. وفي زمن الأزمات، قد تكون الكلمة المسؤولة حصناً، والمعرفة قوة، والثقافة خط الدفاع الذي لا يُرى، لكنه يحمي ما وراءه.. فالوطن القوي لا يحتاج إلى مواطن يصدق كل شيء، بل إلى مواطن يعرف كيف يفكر، ولماذا ينتمي، ومتى يقف مدافعاً عن وطنه بوعي لا بانفعال.










































