اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
المؤكد أن اتفاق مكة يعمل على وضع القواعد لجغرافيا سياسية جديدة تطوي صفحة التكتلات المسيطرة، وتقدم لما يمكن تسميته نظام المحاور المستقلة، فالتحالف أصبح قطبًا استراتيجيًا جديدًا، وهو ما سيجبر عواصم النفوذ العالمي على مراجعة حساباتها، فالتفكير في محاصرة عاصمة من العواصم الثلاث سيفسر على أنه تهديد لمصالح بقية الشركاء..
الجغرافيا السياسية في منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة انتقالية حاسمة، بعد المصادقة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026، والتي عدل مسماها إلى حلف مكة للدفاع، وحدد مقر أمانتها الدائمة في الرياض، وبرئاسة باكستانية في أول ثلاثة أعوام، وذلك في اجتماع اسطنبول يوم 31 أغسطس من العام الجاري، والسابق يأتي امتدادا لتفاهمات مارس 2024، بإقامة تحالف دفاعي استراتيجي موحد بين المملكة وتركيا وباكستان، وجاء انتقال التحالف من الورق الى الأرض، لسد الفراغ الأمني الإقليمي، بحسب ما ورد في تقارير معهد كارنيغي الأخير، وهو تحول لم تتوقعه أوروبا أو أميركا، لأنه يتقاطع مع المادة الخامسة لحلف الناتو، والتي نصت بشكل صريح على ان الاعتداء المسلح ضد دولة من الدول الثلاث، يعتبر بمثابة اعتداء عليها كلها، وفي اعتقادي، التحالف سيعمل على إنهاء الاحتكار والابتزاز التسليحي الغربي، فهو يوائم بدقة بين القدرات التمويلية للمملكة، التي تخطط لتوطين إنفاقها العسكري بنسبة 50% في 2030، وبين التقنية الدفاعية لتركيا، ومعهما القوة القتالية لباكستان وجيشها الضخم الذي يتجاوز تعداده 650 ألف جندي، وتشير تقارير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الى ان التكتل الجديد يقفز على الهرمية التقليدية لدول المستوى الأول في التصنيع العسكري، ويؤسس لشبكة أمنية عابرة للحدود.
في رأيي هذا التحالف جاء كردة فعل طبيعية جداً، على تحول السلاح الغربي من أداة للدفاع الى وسيلة للابتزاز السياسي والعسكري، وبالتالي فالعمل على بناء مظلة تسليح مستقلة كان حتمياً ومتوقعاً في نهاية الأمر لمواجهة التهديدات القائمة والمستمرة من إيران وغيرها، والشواهد التاريخية تؤكد هذه الانتهازية الغربية، وأبرزها: تجميد صفقات طائرات أف 15 لباكستان في التسعينات، ومن ثم استبعاد تركيا التعسفي من برنامج مقاتلات أف 35 في 2019، وسحب بطاريات الدفاع الجوي الأوروبية من أراضيها، بالإضافة لمحاولات تقييد صفقات الذخائر الذكية والأسلحة الاستراتيجية الى المملكة، من قبل الكونغرس الأميركي، وبعض البرلمانات الأوروبية بفعل الضغوط السياسية، ولعل السابق يمثل السبب الأول لإنهاء زمن المراهنة على الضمانات الخارجية، والأخذ بأسلوب الاعتماد الذاتي المشترك في التسليح، لحماية القدرات الوطنية من التعطل في أوقات الأزمات.
القيمة الفعلية لاتفاق مكة، لا تتوقف عند توزيع الأدوار، وإنما تعمل على تجاوز الفيتو الذي تفرضة الدول المؤثرة في صناعة القرار العسكري، لأن الأموال لم تكن مشكلة على الإطلاق في تأمين السلاح، والأزمة في واقعها ترتبط بموافقات الدول المصنعة، وهو ما يجعل الجيوش عاجزة عن الفعل في بعض الأحيان، والمثلث الدفاعي يغلق هذا الملف تماماً، فالتمويل السيادي السعودي، يمنح تقنية الدفاع التركية الأموال والبعد الاستثماري الذي تحتاجه، ويحررها من قيود أوروبا، بينما توفر الترسانة الصاروخية والنووية في باكستان جدار الحماية المطلوب بمواصفات قياسية، حيث تضمن شبكة صواريخ شاهين 3، التي يقدر مداها بنحو 2750 كيلومترا، القدرة على حماية وتحصين المنشآت النفطية، ومصانع إنتاج الغاز المسال، والكيانات الحيوية كشركات الكهرباء والمياه من التهديدات العسكرية المختلفة، وهذا يعني أن صناعة المنظومات الرادعة، ونقل تقنية الشفرات البرمجية بالكامل الى داخل الحدود الوطنية، يوقف عمل برمجيات إيقاف التشغيل التي تحتفظ بها دول المستوى الأول في التصنيع العسكري، مثلما حدث مع الأرجنتين في حرب الفوكلاند عام 1982، عندما عطلت صواريخها بتوافق دولي، واستنادا إلى التقرير السنوي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لعام 2026 فإن هذا التحول ينقل التحالف من مجرد تعاون تصنيعي الى أداة جيوسياسية تضمن امتلاك شفرة السلاح وقرار تشغيله بشكل مستقل، وتشل قدرة واشنطن وبكين على فرض إملاءات سياسية، لإرسال إمدادات الذخائر.
الفارق الأساسي بين الأحلاف العسكرية الكلاسيكية، ونموذج التحالف الدفاعي لاتفاقية مكة، توضحه البنية القانونية الخاصة بها، فلم يتم الاتفاق على تشكيل محور هجومي مؤقت فيما بينها، والصياغة التشريعية تم ضبطها بحرفية لتجاوز الثغرات، وتبدو متوافقة مع المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي في جزئية الردع، فقد نصت صراحة على ان الاعتداء المسلح على الكيانات والمنشآت الحيوية لدولة عضو في الاتفاق، يعتبر اعتداءً جماعيا يستوجب التفعيل الفوري لإمكانات الردع، وبالتالي فالجيوش لم تدمج تحت قيادة عسكرية واحدة، ولكنها ارتبطت بمعاهدة ملزمة، تؤمن خطوط الدفاع الذاتي، وتضمن استقلال القرار الأمني لكل دولة، واللافت في الاتفاق هو بند الردع المقيد بالجغرافيا، الذي يحصر التدخل باعتداء يحدث داخل الحدود الجغرافية لكل دولة، والمعاهدة سجلت ضمن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا يضمن إلغاء الاحتكار التقليدي للسلاح، بسبب غياب الغطاء القانوني على المستوى الإقليمي.
اتفاق مكة يتجاوز حدو تأمين المنشآت الحيوية، وينسجم مع مستهدفات الرؤية الوطنية، والاحتمال وارد أن ينافس عمالقة السلاح عالميا، وتؤكد تقارير الصادرات العسكرية لعام 2026 أن دمج الملاءة اللوجستية للمملكة مع القفزة القياسية لمبيعات الدفاع التركية، التي تزيد على 5,5 مليارات دولار، بالتنسيق مع خطوط التجميع لمجمع الطيران الباكستاني، تسمح بإقامة مكاتب تسويق تجارية، تستهدف أسواقا استراتيجية في آسيا وأفريقيا، فصناعة الأسلحة بشكلها الحالي لاتقتصر على استهلاك الجيوش الداخلية، ويمكن اعتبارها أداة لدبلوماسية التسليح التجاري، والثلاثي اليوم أبرم صفقات تصدير تفضيلية مع الدول الصاعدة، محاكاة للنموذج الأوروبي المشترك الذي نجح تاريخيا في التسويق الدولي لمقاتلات: اليوروفايتر، عن طريق شركة مبيعات موحدة، أسستها بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا عام 1986.
المؤكد أن اتفاق مكة يعمل على وضع القواعد لجغرافيا سياسية جديدة، تطوي صفحة التكتلات المسيطرة، وتقدم لما يمكن تسميته نظام المحاور المستقلة، فالتحالف أصبح قطباً استراتيجياً جديداً، وهو ما سيجبر عواصم النفوذ العالمي على مراجعة حساباتها، فالتفكير في محاصرة عاصمة من العواصم الثلاث، سيفسر على أنه تهديد لمصالح بقية الشركاء، ما يؤسس لمنظومة تحصين عابرة للمحيطات، تقف في مواجهة الاستفراد الدولي وتسقط مفاهيم التبعية، وتتجاوز الفشل التاريخي لمعاهدة الدفاع العربية لعام 1950، التي ماتت قبل أن تولد، وبمحفظة استثمارية عسكرية رأس مالها الأولي 15 مليار دولار.










































