اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
تستمد الاتفاقيات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية قوتها وفاعليتها من قدرة الدولة على الجمع بين دقة القرار وحسن اختيار توقيته، إذ لا يمكن فصل الأبعاد الاستراتيجية والسياسية لهذه الاتفاقيات عن السياق الذي تُبرم فيه. كما أن ترتيب الخطوات وتتابعها قد يضفي على كل تحرك دلالات تتجاوز مضمونه المباشر، وبالتالي من المهم التسلسل المدروس في إدارة العلاقات الدولية وبناء الاتفاقيات المشتركة، بحيث لا تبدو المحطات المتعاقبة خطوات منفصلة، بل حلقات مترابطة ضمن مسار متكامل يخدم أهدافًا متعددة، ويوسّع في محصلته الخيارات المتاحة أمام الدولة.
وتقدم التحركات السعودية الأخيرة نموذجاً واضحاً لهذا البناء المتدرج، إذ تحركت المملكة خلال فترة متقاربة في ثلاث ملفات مختلفة: (الولايات المتحدة، ثم تركيا وباكستان، ثم فرنسا) ولا تكمن أهمية هذا التسلسل في تعدد الشركاء وحده، وإنما في اختلاف الوظيفة التي تؤديها كل علاقة، بما يعكس قدرة المملكة على توزيع مصالحها الاستراتيجية بين مسارات دولية وإقليمية متعددة من دون حصر خياراتها في اتجاه واحد.
فجاءت (واشنطن) في بداية هذا التسلسل من خلال التعاون السعودي–الأميركي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وهو ملف يتجاوز حدود التعاون الآني لارتباطه بالطاقة والتقنية وبناء القدرات على المدى البعيد. وتمثل هذه الخطوة امتدادًا للشراكة الاستراتيجية بين البلدين نحو قطاع مستقبلي بالغ الأهمية، وتؤكد في الوقت ذاته استمرار قدرة العلاقة السعودية–الأميركية على إنتاج مصالح جديدة تتناسب مع التحولات التي تشهدها المملكة.
ثم انتقلت البوصلة إلى (مكة) حيث أخذت المصالح بعدًا مختلفاً مع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. فالانتقال من التعاون الاستراتيجي والتقني مع واشنطن إلى التنسيق الدفاعي مع قوتين إقليميتين وإسلاميتين يعكس اختلاف الاحتياجات التي تديرها المملكة في الوقت نفسه، فبينما يرتبط المسار الأميركي بأحد متطلبات المستقبل، يتصل اتفاق مكة بمتطلبات الدفاع الحالية. وتبرز أهمية هذا الترتيب من دلالة ما سبق 'اتفاق مكة' فقد أكدت المملكة أولًا مسارًا استراتيجيًا مهماً مع الولايات المتحدة، ثم مضت في بناء شراكة دفاعية مع تركيا وباكستان، لتكون العلاقة الجديدة (إضافة إلى الخيارات السعودية) وليست بديلًا عن شراكة قائمة، فتنويع العلاقات لا يعني الانتقال من محور إلى آخر، وإنما توسيع الأدوات التي تستطيع الدولة استخدامها لحماية مصالحها، واختيار الشريك القادر على تقديم القيمة المطلوبة في كل ملف.
وبعد واشنطن ومكة جاءت (باريس) لتضيف البعد الأوروبي إلى هذا البناء. فقد حملت زيارة سمو الأمير محمد بن سلمان ولي العهد إلى فرنسا وانعقاد الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي–الفرنسي توسعًا في مجالات الدفاع والصحة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة والاستثمار. وبهذا انتقلت التحركات السعودية إلى شراكة مؤسسية واسعة مع قوة أوروبية رئيسية، لتصبح الدائرة الدولية أكثر تنوعاً واتساعاً.
ويكشف تتابع هذه المحطات عن تعدد المسارات والأدوار وفق طبيعة المصلحة؛ فالولايات المتحدة شريك في المسار الاستراتيجي والتقني، وتركيا وباكستان في المسار الدفاعي والأمني، فيما تمثل فرنسا مسارًا للتعاون السياسي والاقتصادي والتقني. وبهذا لا تصبح المفاضلة بين العواصم هي أساس القرار، بل تصبح قدرة كل علاقة على خدمة هدف محدد هي المعيار الأكثر أهمية.
إن غاية هذا التنوع تتجاوز زيادة عدد الاتفاقيات إلى بناء مساحة أوسع للقرار السعودي. فكلما تعددت مسارات التعاون، ازدادت قدرة الدولة على التفاوض والتحرك عند تغير الظروف الدولية، وتراجعت حاجتها إلى ربط مصالحها الاستراتيجية بدولة واحدة أو شريك منفرد. ومن هنا يتحول تعدد العلاقات إلى عنصر قوة، فهو يمنح السياسة الخارجية مرونة أكبر ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية تحديد الأولويات.
وهنا تظهر أهمية 'هندسة الوقت'؛ فالتسلسل المدروس للخطوات يكشف نهجاً دبلوماسياً يجعل المملكة صاحبة القرار في تحديد أولوياتها ومساراتها، وتوجيه علاقاتها بما يخدم مصالحها الوطنية.










































