اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
إن استشهاد العريف جواد السلايطة، وإصابة أحد مرتبات الأمن العام أثناء تأدية واجبه، يشكلان حادثة مؤلمة تستوجب الوقوف أمام خطورة الاعتداء على رجال الأمن الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية حماية الأرواح والممتلكات وإنفاذ القانون. فالتعدي على رجل الأمن أثناء قيامه بواجبه ليس اعتداءً على شخصه فحسب، بل هو اعتداء على هيبة الدولة وسيادة القانون، ومسّ مباشر بأمن المجتمع وحق كل أردني وأردنية في العيش بأمان وطمأنينة. فرجل الأمن الذي يقف في الميدان إنما يؤدي واجباً وطنياً لحماية الجميع، وأي اعتداء يستهدفه أثناء أداء مهمته يجب أن يُنظر إليه باعتباره مساساً بمنظومة الأمن الوطني ومؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن هذه الحادثة المؤلمة يجب ألا تمر باعتبارها واقعة أمنية عابرة، بل ينبغي أن تشكل محطة مهمة لإعادة تقييم منظومة التشريعات والعقوبات المتعلقة بالإرهاب والتطرف والاعتداء على رجال الأمن، والوقوف بكل مسؤولية أمام مدى كفاية القوانين الحالية في مواجهة الجرائم التي تستهدف أمن الدولة واستقرارها. فالتحديات الأمنية المتغيرة تفرض تشريعات أكثر تطوراً وحزماً، قادرة على التعامل مع مختلف أشكال العنف والتطرف، وتضمن عدم وجود ثغرات قانونية يمكن أن يستفيد منها مرتكبو الجرائم التي تهدد أمن الوطن والمواطن.
إننا اليوم أمام ضرورة وطنية وتشريعية تستوجب إعادة النظر في القوانين الناظمة لمكافحة الإرهاب والتطرف، والعمل على تعديلها وتغليظ العقوبات الواردة فيها بما يتناسب مع خطورة هذه الجرائم وآثارها المباشرة وغير المباشرة على المجتمع والدولة. فلم يعد كافياً أن تظل العقوبات ضمن أطر لا تحقق مستوى الردع المطلوب في مواجهة الأفعال التي تستهدف أمن الوطن ومؤسساته ورجال أمنه، بل لا بد من مراجعة جادة تضمن أن تكون العقوبة متناسبة مع جسامة الفعل وخطورته والنتائج المترتبة عليه.
إن المطلوب هو التوجه نحو إقرار نصوص تشريعية أكثر وضوحاً وحزماً، تتضمن ظروفاً مشددة للعقوبة عندما يقع الاعتداء على أفراد الأمن العام أو القوات المسلحة أثناء تأدية واجباتهم الرسمية، أو عندما يكون الاعتداء مرتبطاً بأعمال إرهابية أو منظمة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار. كما ينبغي تعزيز الحماية القانونية لرجال الأمن، وتوفير ضمانات تشريعية تكفل التصدي الحازم لكل من يحاول الاعتداء عليهم أو عرقلة قيامهم بواجباتهم، باعتبار أن حماية رجل الأمن هي في جوهرها حماية للمواطن وللمؤسسة التي تسهر على أمنه وسلامته.
ولا بد أن تمتد المراجعة التشريعية لتشمل مختلف الأفعال المرتبطة بالإرهاب، بما فيها التحريض والتجنيد والتمويل والدعم والترويج للأفكار التي تدعو إلى العنف والإرهاب، ومواكبة الوسائل الرقمية والمنصات الإلكترونية التي قد تستغل لنشر الفكر المتطرف واستقطاب الأفراد. فالتطور التكنولوجي أوجد تحديات جديدة تتطلب نصوصاً قانونية قادرة على التعامل معها بفاعلية، مع الحفاظ على الحقوق والحريات الدستورية وضمان عدم الخلط بين حرية التعبير والممارسات التي تشكل جرائم يعاقب عليها القانون.
كما أن من الضروري تعزيز مبدأ الردع العام والخاص، بحيث يدرك كل من تسوّل له نفسه تهديد أمن الوطن أو الاعتداء على مؤسساته أن القانون سيواجهه بعقوبات رادعة تتناسب مع خطورة أفعاله، وأن المساءلة القانونية ستطبق على الجميع دون استثناء. فالعدالة القوية لا تعني فقط معاقبة الجريمة، بل تعني أيضاً منع تكرارها، وحماية المجتمع من مخاطرها، وترسيخ الثقة بقدرة الدولة ومؤسساتها على فرض سيادة القانون.
إننا بحاجة إلى ترسيخ قناعة وطنية راسخة بأن أمن الأردن واستقراره ليسا مجالاً للمساومة أو التهاون، وأن هيبة الدولة وسيادة القانون يجب أن تبقيا فوق كل اعتبار. ومن حق المواطن الأردني أن يعيش في وطن آمن ومستقر، ومن حق رجل الأمن أن يؤدي واجبه دون أن يكون عرضة للاعتداء أو التهديد، ومن واجب الدولة أن توفر الحماية القانونية والمؤسسية اللازمة لكل من يحمل مسؤولية الدفاع عن أمن الوطن وسلامة أبنائه.
إن دماء الشهيد العريف جواد السلايطة يجب أن تكون دافعاً لمراجعة جادة ومسؤولة، وأن تتحول هذه التضحيات إلى خطوات عملية على مستوى التشريع والسياسات والإجراءات، فلا يكفي أن نعبر عن الحزن والتضامن، بل يجب أن نترجم ذلك إلى قرارات تعزز الردع وتحمي رجال الأمن وتغلق الثغرات القانونية وتمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات.
فالأوطان لا تحميها الشعارات وحدها، وإنما تحميها مؤسسات قوية وقوانين عادلة وحازمة، ومجتمع يدرك أن أمنه واستقراره مسؤولية الجميع.
إن المرحلة الراهنة تستدعي موقفاً وطنياً واضحاً، عنوانه أن لا تهاون مع الإرهاب والتطرف، ولا تساهل مع الاعتداء على رجال الأمن ومؤسسات الدولة، وأن تطوير التشريعات وتغليظ العقوبات يجب أن يكونا في مقدمة الأولويات لحماية الوطن والمواطن وصون أمن الأردن واستقراره. فالقانون هو حصن المجتمع، والردع العادل هو أحد ضمانات الأمن، وحماية من يحمون الوطن واجب وطني لا يقبل التأجيل.
رحم الله الشهيد العريف جواد السلايطة، وأسكنه فسيح جناته، ومنّ على المصاب من رجال الامن العام بالشفاء العاجل، وحفظ الله الأردن وطناً عزيزاً آمناً مستقراً، وحفظ قيادته الهاشمية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية وشعبه الوفي من كل سوء ومكروه.












































