اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
عادل الحربي
لطالما تجاوزت حوارات تتناول غياب الإعلام السعودي أو ضعف تأثيره أو عجز بعض مؤسساته عن التعبير عن المجتمع الذي تنتمي إليه، لأن النقاش غالبًا ما ينتهي عند وصف المشكلة دون الاقتراب من أسبابها.. ولأن هذه الحوارات أصبحت مكررة كحديث أحوال الطقس والزحام المروري؛ الجميع يملك رأيًا في الإعلام، والجميع يعرف كيف ينتقده، لكن القليل يعرف كيف تُصنع الرسالة الإعلامية، ومن يتخذ القرار داخل غرف الأخبار، ولماذا تنجح مؤسسة في الوصول إلى الجمهور بينما تعجز أخرى رغم ما تملكه من إمكانات ضخمة!
والمفارقة أن بعض من يتولون إدارة المؤسسات الإعلامية لا يختلفون كثيرًا عن أولئك المتحمسين في المجالس؛ فهم يجيدون الحديث عن ضعف التأثير وتراجع المشاهدة والأخطاء المهنية، لكنهم لا يعرفون بالضرورة كيف نشأت هذه المشكلات، ولا أين تبدأ معالجتها.. فالإعلام ليس مجرد منصات وميزانيات وتجهيزات، وإنما صناعة معقدة تتطلب فهمًا لطبيعة الجمهور، وآليات التحرير، وإدارة غرف الأخبار، وبناء المحتوى وتوزيعه.
خذ مثلًا ظهور صورة مسيئة أو معلومة خاطئة في قناة تلفزيونية؛ فالاستجابة الإدارية المعتادة تبدأ بالاعتذار وتنتهي بمحاسبة المحرر الذي أجاز المادة، لكن السؤال الأهم ليس من أخطأ، بل كيف مرّ الخطأ عبر مراحل الإنتاج والمراجعة حتى وصل إلى الجمهور؟ وأين كان المحرر والمشرف ورئيس القسم؟ وهل توجد معايير تحريرية واضحة وآليات مراجعة فاعلة؟ هذه الأسئلة لا يطرحها من يكتفي بملاحقة النتيجة، وإنما من يعرف أن الخطأ الظاهر قد يكون مجرد دليل على خلل أعمق في غرفة الأخبار.
والأمر نفسه يتكرر حين يفشل المحتوى في الوصول إلى الجمهور؛ فبدلًا من مراجعة الفكرة وطريقة معالجتها وجودة إنتاجها ومدى اتصالها باهتمامات الناس، تبدأ رحلة البحث عن حملات الترويج والاستعانة بالمؤثرين وشراء الانتشار، وكأن المشكلة في الجمهور الذي لم يشاهد، لا في المحتوى الذي لم يرتقِ إلى المستوى الذي يستحق وقت المشاهد!! وقد تحقق بعض الحملات أرقامًا مؤقتة، لكنها في النهاية لا تصنع تأثيرًا حقيقيًا ولا تبني الثقة، لأن التأثير الإعلامي ليس مسألة ترويج أو حملة إعلانية، وإنما يبدأ من مادة جيدة تعرف لمن تتحدث، وماذا تريد أن تقول، ولماذا ينبغي للجمهور أن يهتم بها.
ولست هنا أدعو إلى حصر إدارة الإعلام في خريجي كليات الإعلام، فالشهادة وحدها لا تصنع صحفيًا ناجحًا ولا مديرًا مؤهلًا، وهناك من دخلوا هذه الصناعة من تخصصات مختلفة وأثبتوا جدارتهم.. لكن المشكلة تبدأ حين يتولى القرار من لا يعرف تفاصيل العمل ولم يدخل المطبخ الصحفي قط، ثم ينشغل بمعالجة النتائج بدلًا من البحث عن أسبابها.
لدينا في المملكة إمكانات كبيرة، ومؤسسات ومنصات متعددة، وكفاءات إعلامية أثبتت حضورها وقدرتها على المنافسة، ولذلك فإن السؤال لم يعد عن حجم ما ننفقه على الإعلام، بل عن كفاءة من يدير هذا الإنفاق، وقدرته على تحويل الإمكانات إلى محتوى يعبر عن المجتمع ويؤثر في الجمهور.. فالمشكلة ليست دائمًا في نقص الإمكانات، بل فيمن لا يعرف كيف يوظفها، ولا يدرك أن ما يظهر على الشاشة هو نتيجة قرارات تبدأ من داخل المؤسسة.. وحين يتولى إدارة الإعلام من لا يفهم صناعته، فلن تنفعه الميزانيات الضخمة ولا حملات الترويج؛ لأنه سيظل يلاحق النتائج، بينما تظل الأسباب التي صنعتها في مكانها!










































