اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٨ أب ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
لم تعد المشكلة في الإشاعة أنها تُقال، فالإشاعات وُلدت مع الكلام، وستبقى ما دام هناك من يتحدث ومن يستمع.
المشكلة اليوم أن الإشاعة أصبحت تصل قبل الحقيقة، وتنتشر أوسع منها، وأحياناً تفرض على المؤسسات أن تنشغل بنفي ما لم يكن يستحق أصلاً أن يُناقش.
خبر عن «مبادلة أراضٍ» بين دولتين، مثلاً، يكفي أن يظهر على منصة اجتماعية حتى يجد طريقه إلى آلاف الهواتف، ثم يبدأ السؤال: هل صحيح؟ ماذا يحدث؟ ولماذا؟ ومن يقف وراءه؟
وبعد ساعات يأتي النفي الرسمي.
لكن ماذا بعد النفي؟
هل يعود الخبر إلى الصفر؟
بالطبع لا.
فجزء من الناس يكون قد صدّقه، وجزء آخر يكون قد شكّك، وثالث يضيف إليه تفاصيل من عنده، ورابع يعيد نشره باعتباره «هناك كلام يدور»، وهكذا تتحول الكذبة الصغيرة إلى حقيقة محتملة في أذهان البعض.
وهنا نحن أمام مشكلة أكبر من الإشاعة نفسها.
نحن أمام أزمة ثقة بالمعلومة.
المواطن أصبح يعيش وسط سيل هائل من الأخبار، بعضها صحيح، وبعضها ناقص، وبعضها مفبرك، وبعضها صحيح في الأصل لكنه محرّف في العنوان، وبعضها لا نعرف مصدره أصلاً.
وفي هذا الزحام، لم تعد السرعة ميزة دائماً.
أحياناً تكون السرعة هي المشكلة.
لأن السباق الحقيقي يجب ألا يكون: من ينشر أولاً؟
بل: من يتأكد أولاً؟
وهذه مسؤولية مشتركة.
المؤسسات الرسمية مطالبة بأن تكون أسرع في تقديم المعلومة الواضحة، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغاً؛ هناك دائماً من يملؤه.
والإعلام مطالب بألا يتحول إلى ناقل آلي لما يدور على المنصات، حتى لو كان العنوان مغرياً وعدد المشاهدات مضموناً.
والمواطن أيضاً لديه مسؤولية.
فإعادة نشر خبر لمجرد أنه «وصلني» ليست ممارسة بريئة تماماً.
قد تكون مساهمة في صناعة حالة عامة من القلق، أو الإساءة إلى شخص، أو تشويه صورة مؤسسة، أو حتى خلق أزمة بين دولتين لا وجود لها إلا في منشور مجهول.
في زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد صناعة الكذبة تحتاج إلى كاتب بارع؛ يكفي أن تجد جمهوراً مستعداً لتصديقها.
ولهذا ربما نحتاج إلى ثقافة جديدة لا تسأل فقط: هل الخبر مثير؟
بل تسأل قبل ذلك:
من قاله؟
ما مصدره؟
ما الدليل عليه؟
ولماذا أصدقه؟
فالخبر الكاذب لا يصبح خطيراً عندما يُكتب.
يصبح خطيراً عندما نمنحه نحن حياة جديدة كلما ضغطنا زر المشاركة.
وفي النهاية، قد تكون إحدى أهم علامات وعي المجتمع اليوم ليست في قدرته على معرفة الأخبار بسرعة، بل في قدرته على التريث أمام الخبر الذي يريد أن يصدقه.












































