اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
حاجة أهل عصرنا إلى الوعي الأمني والفكري مضاعفة؛ للتحديات التي تواجه المجتمعات نتيجة تيسر وسائل التأثير، ولسهولة تزييف الحقائق ونشر الشائعات، وكل منا يحتاج إلى وعي يقيه من التأثر بالمحتوى المضلّل، والمخالف للأنظمة والتعليمات، كما يحتاج إلى وعي يكفّه عن ترويج ونشر ما يتضرّر المجتمع بنشره..
أكرم الله تعالى بني آدم بمزايا حسّيةٍ ومعنويةٍ كثيرةٍ، ومن أكبر المزايا المعنويّةِ التي أكرمهم بها قابليّةُ الوعيِ، فجعل له من أدوات الفهم ما يعينه على إدراك المعارف، ويؤهله لاستنتاج النتائج، واستلهام الدروس من تجاربه ومما يبلغه من أخبار الماضين، وبواسطة خاصيّة الوعي يستطيع الإنسان -بتوفيق الله تعالى- أن يستفيدَ من آياتِ الله الشرعيَّة والكونيَّةِ، ويستطيع أن يستفيدَ من الكائناتِ حوله التي خُلِقتْ لتنتفع بها البشريةُ، ويستطيع أن يميّز بين المصالح فيسعى في تحصيلها، وبين المفاسد ليجتهد في اجتنابها، وأن يميّزَ بينَ الأخيار من الناسِ والمؤتمنين فيصحبهم ويستفيد منهم، وبين الأشرار الضارّين فيبتعد عنهم، فإذا أهملها الإنسانُ خسرَ الخصائص الإنسانيّة المعنويّة، وتسلطت عليه الأوهام وهوى النفسِ الأمّارةِ بالسُّوءِ، فكانت أدواتُ التمييز عنده معطوبةً لا جدوى منها، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)، وباستخدام خاصيّةِ الوعي-بعد التوفيق- تَميَّزَ جميعُ من وصفهم التاريخ بديانةٍ متينةٍ، أو معرفةٍ عميقةٍ، أو سياسةٍ مثمرةٍ، أو ريادةٍ مشرقةٍ، وبالمقابل كلُّ ضالٍّ أو مُهمِلٍ فإنّما أُتِيَ من قِبل إهمال هذه الخاصيّةِ، ولي مع استخدام خاصية الوعي وقفات:
الأولى: الدين في مقدمةِ ما يجب على الإنسانِ أن يتمتّع فيه بالوعي؛ فبه صلاح الدنيا والآخرة، وقد تكفّل الله تعالى بتوعية المسلمين بأمور دينهم، وذلك في كتابه الكريم، وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم المطهَّرةِ، فما حجَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلمَ حجةَ الوداعِ إلا وقد أكمل الله تعالى لهذه الأمةِ بيانَ دينِه الحنيف، فمن الوعي في الدينِ أن يستصحب المسلمُ في عباداتِه أنّه غنيٌّ عن أن يبتدع ما يظنّ أو يتوهّم أنه يتقرب به إلى ربِّه، ممّا لم يشرع الله تعالى، ومن الوعي الدينيِّ أن يرجع المسلمُ في تفاصيل العباداتِ إلى أهل العلم المعتبرينَ الموثوقينَ، المقصودينَ بقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، وألا يُصغيَ إلى غيرِهم ممن لم يتصف بصفتي الرسوخ في العلم والموثوقيَّة، ومن إهمال أدواتِ الوعيِ في الدينِ الركونُ إلى أهل البدعِ من أهل الأهواء والجماعاتِ المتحزّبة؛ فإنَّ الركونَ إليهم تعطيلٌ لخاصيّة الوعي، واغترارٌ بالزخرفِ من القولِ، وخروجٌ من سماحةِ الإسلام وتيسيرِه إلى التنطُّعِ والتعسيرِ، والتزامٌ بلوازمَ فاسدةٍ كثيرةٍ؛ فما من بدعةٍ يستحدثها الناسُ إلا ويلزمُ منها تسفيهُ وتضليلُ السلفِ أو بعضِهم، كما يلزمُ منها نسبة التقصير إليهم في الإدراك والعمل أو فيهما معاً، بل لسانُ حالِ المبتدعِ يتطاول على مقام النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ مقتضى الابتداعِ الاستدراكُ عليه في التبليغ؛ ولهذا قال الإمام مالك: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالةَ).
الثانية: تأتي بقيةُ الضرورياتِ (النفس، العقل، المال، العرض) تاليةً للدين في وجوب استصحاب الوعيِ في مصالحِها؛ فالوعيُ في ذلك يُعينُ الإنسانَ على تحصيل المصالحِ العليا، ويجنِّبُه الوقوع في المفاسدِ، ووسائلُ هذا الوعي منها قواعدُ عامّةٌ في كل زمانٍ ومكانٍ، ومنها تفاصيلُ لتلك القواعد تتجدّدُ وتتنوعُ بحسب الأوقات والأعراف، ومن القواعد العامةِ فيه وحدةُ الصّفِ والسمع والطاعةُ لوليِّ الأمر، فهذه توعيةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للصحابةِ حين طلبوا منه أن يعهدَ إليهم بشيءٍ يُعين على التحدياتِ الكبرى، فعن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله تعالى عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليهِ وسَلمَ مَوْعِظَةً, ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ. أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني.
الثالثة: حاجة أهل عصرنا إلى الوعي الأمنيِّ والفكري مضاعَفةٌ؛ للتحدياتِ التي تواجه المجتمعات نتيجة تيسر وسائل التأثيرِ، ولسهولة تزييف الحقائق ونشر الشائعات، وكلٌّ منا يحتاج إلى وعيٍ يقيه من التأثرِ بالمحتوى المضلّل، والمخالف للأنظمة والتعليماتِ، كما يحتاج إلى وعيٍ يكفُّه عن ترويج ونشرِ ما يتضرّرُ المجتمع بنشرِه، ومما يختصر الطريقَ في الوعي الفكري والأمنيِّ معرفة الإنسانِ لأنظمة وقوانين البلد الذي هو فيه، وأنظمتنا في دولتنا المباركة المملكة العربية السعودية -بحمد الله تعالى- كفيلةٌ بصيانةِ هذه الضرورياتِ، فعلينا الالتزام بها، والوقوف عندها، ففي ذلك -بإذن الله تعالى- نجاةٌ من مكايد المتربصين بالناسِ الذي يكيدون لهم للنيل من نفوسهم أو عقولهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ وهؤلاء المتربّصونَ نجدهم حريصين على الإخلالِ بالنظام؛ لمعرفتهم بأنه عصمةٌ للمجتمع بإذن الله تعالى، وأنه الحصن الذي إذا أوى إليه الفرد احتمى من شبكاتِ الجرائم الفكرية والأمنية والمالية وغيرها.










































