اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ أيلول ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
تُقاس جودة القرار المؤسسي في الغالب بسلامة مبرراته، فيُنظَر في مدى اتساقه مع الأنظمة، واستناده إلى صلاحية قائمة، واكتمال مراجعته، غير أن الحكم على صناعة القرار لا يكتمل بسلامة كل اختيار على حدة، بل بالاتجاه الذي تصنعه الخيارات مجتمعة عبر الزمن، وهو اتجاه لا يظهر كاملاً في أي منها.
في المدن التي تشهد نمواً عمرانياً متسارعاً، لا ينشأ الضغط البيئي من المخالفات وقصور الرقابة وحدهما، فجانب منه يتشكل من قرارات سليمة في ذاتها، فالتوسع السكني يستجيب لحاجة سكانية حقيقية، وتطوير البنية التحتية يحسن الحركة والوصول إلى الخدمات، وتعديلات الكثافة العمرانية تحسن كفاءة استعمال الأرض، والمشروعات الاستثمارية تضيف نشاطاً اقتصادياً، فلكل قرار غايته، ولكل جهة صلاحيتها، ولكل خطوة مبرراتها في الوقت الذي تُتخذ فيه.
ومع مرور الوقت، لا تبقى هذه القرارات منفصلة كما بدت عند صدورها، بل تتقاطع آثارها وتتراكم على الأرض. فيتمدد العمران، وتتحول مناطق انتقالية إلى نسيج دائم، وتتغير العلاقة بين المدينة وما يحيط بها من أصول طبيعية.، ولا يقف وراء هذا التحول قرار بعينه، وإنما حصيلة خيارات متفرقة لم يكن ترابطها ظاهراً عند اتخاذها.
تزداد حساسية هذا النمط عند التقاء العمران بمنطقة طبيعية محمية، فداخل نطاق الحماية تعمل مجموعة من الضوابط وآليات الرصد وإعادة التأهيل البيئي، وخارجه تعمل جهات أخرى في التخطيط والخدمات والتطوير والاستثمار، وتؤدي كل جهة دورها من موقعها، بينما تتوزع جوانب الأثر بين اختصاصات متعددة، وعند ذلك لا ينحصر النظر في أداء جهة بعينها، بل يمتد إلى قدرة المنظومة على جمع هذه الجوانب في قراءة واحدة تتجاوز حدود كل اختصاص.
تظهر أهمية ذلك عند تقييم أي خطوة جديدة مؤثرة في المكان، فهي تُدرس في ضوء غايتها وضوابطها وما يترتب عليها مباشرة، سواء تعلقت بترخيص مشروع أو تغيير في استعمال الأرض أو تنفيذ بنية تحتية، وهذا ضروري لتقديرها في نطاقها المباشر، لكنه لا يكشف وحده ما أصبح قائماً نتيجة ما سبقها على الأرض.
وعند النظر إلى الصورة الأوسع، لا تكفي الخطط والاستراتيجيات وحدها، كما لا يكفي التنسيق بين الجهات، فهي ترسم الوجهة، بينما يدير التنسيق التداخل، وكلاهما ضروري. وما يلزم فوق ذلك هو مرجع مشترك يتيح قراءة ما تراكم من آثار على نحو متصل عبر الزمن.
بهذا الفهم، يصبح لكل قرار أثر آخر لا يظهر في نتائجه المباشرة، هو ما يبقيه من خيارات للمستقبل، فحين تترتب على الاختيار التزامات يصعب الرجوع عنها، تستهلك جزءاً من المرونة المتاحة لاحقاً، ومن ثم يكون ما يبدو أكفأ في لحظته أعلى كلفة على المدى الطويل إذا استنفد من المرونة أكثر مما أضاف من قيمة، وهنا تصبح مساحة الاختيار نفسها جزءاً من المفاضلة، لا باعتبارها غاية مستقلة، بل لأنها تحدد مقدار الحرية التي تبقى لما يأتي لاحقاً.
يرتبط بذلك سؤال آخر يتعلق بما يدخل فعلياً في عملية التقييم، فما يمكن إظهاره وقياسه ومقارنته يأخذ وزنه بوضوح في المفاضلة، بينما يصعب منح الوزن نفسه لما لا يظهر إلا بعد مدة، ولهذا لا تكون عناصر التقييم شأناً فنياً محضاً، لأنها تحدد جانباً من الصورة التي يُبنى عليها الاختيار قبل أن تستقر نتائجه في الواقع.
من هنا يتغير معنى الاحتواء الحضري نفسه، فالتعامل معه بوصفه خطاً على خريطة يجعل الاهتمام منصباً على المكان الذي يتوقف عنده التوسع، أما فهمه جزءاً من صناعة القرار فينقل الاهتمام إلى الكيفية التي تتكون بها الخيارات التي تصنع شكل المدينة، وإلى حضور الاعتبار البيئي فيها منذ البداية، عندها لا تعود العلاقة بين النمو والحماية مفاضلة بين هدفين متعارضين، بل تصبح قدرة على تحقيق النمو من دون أن تأتي مكاسبه في الحاضر على حساب ما ينبغي الحفاظ عليه للمستقبل.
وعلى هذا الأساس، لا يكتمل الحكم على القرار يوم صدوره، بل حين تظهر حصيلته، وكلما أُدرك الاتجاه مبكراً، بقيت القدرة على إعادة التوجيه أكبر، فالقيمة الأبعد للقرار لا تقف عند ما أنجزه في الحاضر، بل فيما أبقاه ممكناً لمن يأتي بعده.










































