اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
الإنسان النقي ليس إنسانًا بلا نقص، فالاكتمال ليس من طبيعة البشر، وإنما هو من يعرف كيف يعود إلى صفائه كلما علق به ما يشوّهه.. >يعرف أن الغضب عابر، وأن الإساءة لا تستحق أن تتحول إلى إقامة دائمة في القلب، وأن القدرة على الرد لا تعني ضرورة الرد.. هنا يظهر جمال >التربية الداخلية: أن يهذب الإنسان رد فعله قبل أن يطلب من الآخرين تهذيب أفعالهم..
لا يقاس الإنسان بطوله، ولا بما يملكه، ولا بالصورة التي يقدمها للناس، فكل ذلك يبقى في حدود الجسد والمظهر. ما يمنحه أثره الحقيقي هو ذلك الجزء الخفي الذي لا تراه العين، وتلمسه القلوب من أول لقاء. قد يدخل شخص مكانا فيترك فيه خفة وطمأنينة، وقد يغادر آخر وتبقى بعده مسافة من الضيق. لا نعرف دائما كيف يحدث ذلك، لكننا ندرك أن حضور الإنسان يسبق كلماته أحيانا.
لهذا نصف بعض الناس بأن أرواحهم جميلة، ونصف صاحب السعة والقبول بأنه مريح وقريب من القلب. كأن اللغة أدركت أن الأخلاق لا تسكن الملامح، وأن حسن التعامل ليس زينة خارجية، وإنما ضوء يصدر من الداخل.
الجسد يبدأ نموه قبل الولادة، أما الشخصية فلا تولد مكتملة. صفاتنا تتشكل مع الأيام، وتتأثر بالتربية والتجارب والمواقف والقناعات. وكل فكرة نسمح لها بالإقامة داخلنا تترك شيئا من لونها فينا. لذلك يصبح الإنسان مع مرور الوقت حصيلة ما يؤمن به، وما يعتاده، وما يسمح له أن يقوده.
والإنسان النقي ليس إنسانا بلا نقص، فالاكتمال ليس من طبيعة البشر، وإنما هو من يعرف كيف يعود إلى صفائه كلما علق به ما يشوهه.. يعرف أن الغضب عابر، وأن الإساءة لا تستحق أن تتحول إلى إقامة دائمة في القلب، وأن القدرة على الرد لا تعني ضرورة الرد.. هنا يظهر جمال التربية الداخلية: أن يهذب الإنسان رد فعله قبل أن يطلب من الآخرين تهذيب أفعالهم.
ومن أجمل مقاييس الخلق أن يبقى الإنسان كما هو في غياب العيون. فبعض الأخلاق تتجمل أمام الناس، ثم تسقط عند أول فرصة للخفاء. أما الخلق الراسخ فلا يحتاج إلى جمهور، لأنه ينطلق من ضمير حي، ويراقب نفسه قبل أن ينتظر مراقبة الآخرين.
نحن نعيش بين التأثير والتأثر. نلتقط من الناس كلماتهم وطرائقهم وأذواقهم وحتى مزاجهم أحيانا. وإذا كنا نتأثر بموضة في اللباس أو طريقة في الحديث، فلماذا لا نصنع موضة أجمل: تقليد أصحاب الخلق الجميل؟ لماذا لا يصبح الهدوء معديا، والابتسام عادة، وحسن الظن ثقافة، والرفق سلوكا يكتسبه الناس من بعضهم؟
المجتمع لا يحتاج فقط إلى أنظمة تنظم علاقاته، فهو يحتاج أيضا إلى أشخاص يجعلون هذه العلاقات قابلة للتفعيل والتداول.. ويظهر ذلك أكثر في الأعمال التي تقوم على خدمة الناس. من اختار عملا يواجه فيه الجمهور، فقد اختار معه مساحة واسعة من الصبر وضبط النفس. الكلمة الجافة قد تنهي معاملة، لكنها قد تفتح جرحا، والكلمة الرفيقة قد لا تغير القرار، لكنها تغير شعور الإنسان تجاهه.
لهذا فإن الرحابة ليست ضعفا، واللين ليس تنازلا، والهدوء لا يعني غياب القوة.. أحيانا تكون القوة أن تملك القدرة على الانفعال ثم تختار الاتزان، وأن تستطيع الإساءة ثم تترفع عنها، وأن يكون بإمكانك الانتصار في جدال فتفضل حفظ قلب أمامك.
وهذا الداخل الجميل يحتاج إلى غذائه كما يحتاج الجسد إلى طعامه. يغذيه الإيمان، ويصفيه الذكر، ويهذبه التأمل، ويحرسه العقل، ويقويه الصبر.. وكلما ازدادت صلته بمعاني الرحمة والإحسان، أصبح الإنسان أكثر قدرة على استقبال الحياة من غير أن يفقد نقاءه.
ولا تتشكل الأخلاق الجميلة في المواقف الكبيرة وحدها، فهي تظهر في التفاصيل الصغيرة التي لا يصفق لها أحد: في طريقة الاستماع، وفي الاعتذار، وفي احترام الضعيف، وفي خفض الصوت، وفي ترك مساحة للآخر، وفي اختيار كلمة ألين من كلمة قاسية.. هناك أخلاق تنمو في الخفاء، ثم تكشف نفسها أمام اختبار لا يراه فيه إلا الضمير.
أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان ليس صورة معلقة، ولا اسما يتردد، وإنما شعور طيب بقي في قلب شخص قابله ذات يوم. قد ينسى الناس ما قلناه، وقد تغيب تفاصيل اللقاء، لكنهم يتذكرون كيف شعروا معنا.
نحن نصلح مظهرنا أمام المرآة كل صباح، وربما نحتاج إلى مرآة أخرى لا تظهر الوجوه، وإنما تكشف ما وراءها.. مرآة نسأل أمامها أنفسنا: ماذا يترك حضورنا في الآخرين؟ طمأنينة أم ثقلا؟ قربا أم نفورا؟ نورا أم ظلا؟
ويبقى القول: العمر في جوهره سلسلة من اللقاءات، وأجمل ما يمكن أن نحمله خلالها روح تمر على الناس فتترك فيهم شيئا من الطمأنينة، وتجعلهم أخف مما كانوا.










































