اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
الرياض – رؤى مصطفى
تحتفظ البيوت القديمة بأكثر من ملامحها المعمارية؛ ففي أبوابها ومجالسها وأفنيتها تنعكس عادات الضيافة والخصوصية والعمل، وتتردد تفاصيل الحياة التي صنعها سكانها. وعلى امتداد المملكة، صاغت الصحراء والجبال والواحات والسواحل أساليب بناء متباينة، نشأت من تفاعل الإنسان مع بيئته ومواردها. ومع اتساع المدن الحديثة، تزداد أهمية قراءة ذلك الموروث باعتباره سجلًا ثقافيًا يكشف تحولات المجتمع، لا مجموعة من المباني والزخارف المنتمية إلى الماضي.
وتتيح الأنثروبولوجيا العمرانية فهم العلاقة بين شكل المسكن والحياة الاجتماعية؛ فموضع المجلس، واتساع الفناء، واتصال الأزقة بالأسواق، كلها تفاصيل تخبرنا عن تنظيم العلاقات داخل الأسرة وخارجها. وكانت العتبة تفصل بين خصوصية المنزل وحركة الحي، بينما تجمع الساحة الناس في مناسباتهم وأعمالهم اليومية. ومن هذه العناصر تتكون ذاكرة مشتركة، تظل حاضرة في أسماء الأماكن والحكايات والعادات، حتى بعد تغير وظائف المباني.
في نجد، أسهم المناخ الجاف وطبيعة الحياة الأسرية في انتشار البيوت الطينية ذات الأفنية الداخلية والمجالس المخصصة للضيوف. وكان المجلس فضاءً لتبادل الأخبار والتشاور وتوطيد الصلات، فيما أتاحت الأسواق والممرات المتقاربة فرص اللقاء اليومي. ويحتفظ حي الطريف في الدرعية بشواهد بارزة على هذا الطراز، حيث تتجاور استجابات البناء للبيئة مع قيم الضيافة والخصوصية التي طبعت المجتمع.
وعلى ساحل البحر الأحمر، اكتسبت جدة التاريخية ملامحها من حركة التجارة والحج وتعدد الثقافات الوافدة إليها. وبرزت الرواشين الخشبية في واجهات المنازل، جامعةً بين التهوية والإضاءة وحماية خصوصية السكان. وكانت الحارات والأسواق أكثر من مراكز للسكن والبيع؛ ففيها تتداخل حكايات التجار والحرفيين والجيران، وتتكون علاقات يومية تجعل للأزقة أسماءً وذكريات. وتكشف الرواشين خصوصًا كيف يمكن لعنصر معماري واحد أن يجمع الحاجة المناخية والتعبير الجمالي والعرف الاجتماعي.
وفي عسير، تحولت جدران المنازل إلى مساحة للتعبير الفني عبر القط العسيري، بزخارفه الهندسية وألوانه المتنوعة. وارتبطت ممارسته بالنساء اللواتي زيّنّ غرف استقبال الضيوف، وتناقلن مهاراته في محيط الأسرة والجارات، فغدا الفن نشاطًا اجتماعيًا ومعرفةً متوارثة. وقد أدرجته اليونسكو عام 2017 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، في اعتراف بقيمته الثقافية والفنية.
أما جازان، فتقدم مثالًا لتنوع البناء داخل المنطقة الواحدة. ففي السهول التهامية عُرفت «العشة» المصنوعة من المواد النباتية المحلية، بتكوينها الدائري وسقفها المرتفع، بينما تكيفت المساكن الحجرية في الجبال مع التضاريس وموارد البناء المتاحة. ويعكس هذا التباين صلة المسكن بأعمال الزراعة والرعي والحياة الأسرية، وما ارتبط بها من أنماط استقبال الضيوف وتنظيم شؤون المنزل.
ويمتد أثر البحر إلى جزر فرسان، حيث تحفظ بعض البيوت القديمة شواهد على تجارة اللؤلؤ وصلات الجزيرة بالعالم الخارجي. ويبرز بيت الرفاعي بزخارفه الجصية وتفاصيله المعمارية المتأثرة بالهند، في تجسيد لتبادل الأفكار والمهارات عبر الرحلات البحرية. وتكشف واجهته عن تاريخ اقتصادي وثقافي ربط المكان بحركة التجار، وجعل من الزخرفة دليلًا على اتساع دوائر التواصل.
وفي الأحساء، ارتبط العمران بموارد الواحة من مياه ونخيل وبساتين. واستُخدمت مواد محلية، منها الطين وجذوع النخيل وسعفها، في البناء، كما هُيئت بعض المجالس بتكوينات تسمح بالجلوس والتهوية في الأجواء الحارة. وحول الأسواق والعيون تشكلت أنشطة زراعية وحرفية واجتماعية، فانعكس إيقاع الواحة على تصميم المساكن ومواضع اللقاء، وأصبحت عناصرها المعمارية شاهدًا على علاقة الناس بالماء والأرض.
وتوضح هذه النماذج أن هوية العمارة السعودية تتجاوز شكل الواجهة؛ إذ تحمل معها عادات الاستقبال، وأسماء الدروب، وحكايات البيوت، وصلات الحرف والأسواق بالحياة اليومية. ولهذا تتجاوز المحافظة على التراث أعمال الترميم إلى توثيق روايات السكان وتاريخ المهن والممارسات المرتبطة بالمباني، حتى تستمر المعرفة بالحياة التي احتضنتها.
ومع توسع المدن، تغيرت أنماط السكن والتنقل، واتسعت الطرق وانتشرت الأبراج والمجمعات الحديثة. وقد وفرت هذه التحولات خدمات ووسائل راحة أوسع، لكنها أعادت ترتيب فرص اللقاء بين السكان. وتستعيد الأحياء شيئًا من ألفتها عبر مسارات مشاة آمنة، وساحات مظللة، ومكتبات ومرافق ثقافية قريبة، تتيح للناس ممارسة حياتهم المشتركة دون التخلي عن الخصوصية ومتطلبات العصر.
ولا تقوم هذه المقارنة على اعتبار الأحياء القديمة نموذجًا كاملًا؛ فقد واجهت بعض المساكن تحديات تتعلق بالصحة والخدمات والمساحة والسلامة، كما تفاوتت فرص الراحة والخصوصية بين الأسر. وتكمن قيمة التجربة التاريخية في استيعاب ما قدمته من حلول تلائم المناخ وتيسر التلاقي، ثم تطوير تلك المبادئ بوسائل جديدة تستجيب لحاجات سكان المدن اليوم، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الشكل القديم.
ويبرز هنا مفهوم «المكان الثالث» الذي طرحه عالم الاجتماع راي أولدنبرغ للدلالة على فضاءات اللقاء غير الرسمية خارج المنزل والعمل. فالمقهى المحلي والمكتبة والساحة العامة قد تتحول إلى نقاط تواصل بين الجيران إذا كانت قريبة وآمنة ومفتوحة لمختلف الفئات. ومن هذا المنظور يصبح نجاح التخطيط العمراني مرتبطًا بقدرته على إتاحة حياة يومية مشتركة، إلى جانب كفاءته في توفير المساكن والطرق والخدمات، فالقيمة الحقيقية للمكان تتشكل أيضًا من تجارب مستخدميه.
وفي مارس 2025، أُطلقت خريطة العمارة السعودية التي تضم 19 طرازًا معماريًا مستلهمًا من الخصائص الجغرافية والثقافية للمملكة. ويمنح هذا التوجه فرصة لاستحضار الموروث في التصميم المعاصر، على أن تتجاوز الاستفادة منه تكرار الزخارف إلى فهم وظائف الفناء والمجلس والساحة، وما توفره من فرص للتواصل والتكيف مع البيئة.
وبين مجالس نجد ورواشين الحجاز وألوان عسير وبيوت جازان وفرسان وواحات الأحساء، تتعدد الأشكال وتلتقي الدلالات. فالعمارة وثيقة ثقافية تحفظ آثار من عاشوا في المكان، وتمنح الأجيال الجديدة وسيلة لفهم تحولات المجتمع. ومع امتداد المدن الحديثة، يتجدد حضور هذا الإرث مصدرًا للإلهام، فالمباني تحفظ ملامح المكان، أما الإنسان فيمنحها روحها، ويترك في تفاصيلها ما يبقى بعد تعاقب الأجيال.










































