اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
إن تقدير المملكة للمواقف المصرية الأخيرة، هو تقدير لموقف أخوي أصيل، ولشراكة استراتيجية أثبتت قدرتها على التجدد في مختلف المراحل، وبين الرياض والقاهرة تتجاوز وحدة المصير حدود البلاغة السياسية؛ لأنها حقيقة يصنعها التاريخ، وتصوغها الجغرافيا، وتثبتها المصالح المشتركة، وتمنحها قيادتا البلدين مضمونها العملي..
في مفاصل التحول الإقليمي، ترتبط العلاقات بين الدول بقدرتها على إنتاج موقف واضح عندما تتعرض منظومة الاستقرار للاختبار، ومن هنا تكتسب المواقف الأخيرة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تجاه المملكة أهميتها؛ لأنها أعادت تأكيد معنى راسخ في العلاقات السعودية - المصرية، وهي أن أمن البلدين واستقرارهما مصلحة استراتيجية مشتركة، وأن الشراكة بينهما لا تقف عند المصالح الثنائية، بل تمثل إحدى الركائز الرئيسة لاستقرار النظام العربي وقدرته على التعامل مع التحولات الإقليمية.
هذا المعنى عبّر عنه الرئيس السيسي حين أكد أن الأمن القومي العربي لا يتجزأ، وأن استقرار الأشقاء في الخليج يرتبط بالأمن القومي المصري، كما أكد مجلس الدفاع الوطني المصري التضامن الكامل مع المملكة، وربط بين الأمن القومي السعودي والمصري والعربي، بالتوازي مع الدعوة إلى خفض التصعيد وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
والدلالة الأعمق هنا تتمثل في طبيعة الشراكة بين دولتين محوريتين تدركان أن استقرار إحداهما يعزز قدرة الأخرى على العمل والنمو والتأثير، فمصر تمثل سندًا استراتيجيًا للمملكة، كما تمثل السعودية عمقًا استراتيجيًا لمصر، ويمنح تكاملهما العالم العربي قدرًا أكبر من الحضور والتأثير في الخريطة الدولية، وعندما تبلغ العلاقات الاستراتيجية معناها الحقيقي يصبح استقرار الشريك جزءًا من حسابات المصلحة الوطنية، وأكثر قدرة على التنسيق وإدارة المخاطر وصوغ المواقف في الأوقات الصعبة.
وتكشف الجغرافيا جانبًا مهمًا من هذا الترابط، فالسعودية ومصر تتقابلان على ضفتي البحر الأحمر، وتلتقي مصالحهما عند شبكة معقدة تبدأ من الخليج، وتمر بباب المندب والبحر الأحمر، وتنتهي عند قناة السويس والبحر المتوسط، وأي اضطراب في إحدى حلقات هذه الشبكة إنما يمتد إلى حركة السفن، وأسعار الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، وانتظام الطيران، وثقة المستثمرين والأسواق.
لذلك، يعد البحر الأحمر مجالًا جيوسياسيًا وجيواقتصاديًا تتقاطع فيه التجارة والطاقة والأمن والتنمية، ويُسهم التنسيق بين الرياض والقاهرة في ترسيخ مفهوم 'أمن البحر الأحمر مسؤولية دوله المتشاطئة'، وأن استقراره شرط لتحويله إلى فضاء للاستثمار والربط اللوجستي والتنمية المستدامة، بدلًا من تركه ساحة مفتوحة لتنافس القوى والفاعلين من خارج الدولة.
ويضيف وضوح الموقف المصري وزنًا إلى الإرادة العربية في مرحلة تتسع فيها التدخلات وتتشابك النزاعات، فعندما تتقارب رؤى البلدين حول احترام السيادة، ورفض الاعتداءات، والحفاظ على مؤسسات الدول، يصبح في الإمكان بلورة أولويات عربية أكثر وضوحًا وقدرة على التأثير في الاتصالات الإقليمية والدولية، لذا يعكس هذا التقارب مستوى متقدمًا من التوافق بين قيادتي البلدين تجاه القضايا المركزية في المنطقة، ويوفر قاعدة صلبة لصوغ أولويات عربية مشتركة، والحد من قدرة الأطراف الأخرى على استثمار التباينات العربية على حساب أمن المنطقة ومصالحها.
ويحمل هذا التماسك رسالة استقرار سياسية؛ لأن وضوح العلاقات واتساق المواقف يدخلان في حسابات الأطراف المختلفة بقدر ما تدخل المصالح والقدرات، فالتضامن المسؤول يقلل احتمالات سوء التقدير، ويؤكد أن استقرار السعودية ومصر جزء من استقرار الإقليم، وأن الشراكة بينهما عامل اتزان يدعم فرص التهدئة والعمل الدبلوماسي ويصون المصالح العربية المشتركة.
ويكتسب التواصل المباشر بين القيادتين أهمية في هذا السياق، فتسلّم سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رسالة خطية موجهة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز من الرئيس السيسي يعكس فاعلية القنوات الرسمية التي تُدار من خلالها الشراكة وتُبحث عبرها التطورات والأولويات؛ لأن العلاقات الراسخة تقوم على التشاور المستمر، والقدرة على تحويل التوافق السياسي إلى تنسيق عملي.
أما البعد الأكثر اتصالًا بالمستقبل، فيتمثل في صون بيئة التنمية من الاستنزاف، فالسعودية ومصر تقودان مشروعات تحول اقتصادي واجتماعي كبرى، وتحتاجان إلى إقليم يسمح للاستثمار والتجارة وحركة الأفراد بالنمو، ومن ثم، يصبح العمل المشترك لخفض الاضطراب جزءًا من صون مكتسبات التنمية، والحفاظ على قدرة المجتمعات والدول على التخطيط للمستقبل.
وفي المستوى الشعبي، تستند هذه الشراكة إلى عمق أخوي وإنساني صنعته روابط ممتدة من الثقافة والعمل والتعليم والتنقل والتفاعل الاجتماعي بين الشعبين، وهذا الرصيد إرث تاريخي متين يمنح المواقف الرسمية حاضنة مجتمعية، ويجعل العلاقة أكثر قدرة على تجاوز التحولات وتطوير مجالاتها في كل مرحلة.
إن تقدير المملكة للمواقف المصرية الأخيرة، هو تقدير لموقف أخوي أصيل، ولشراكة استراتيجية أثبتت قدرتها على التجدد في مختلف المراحل، وبين الرياض والقاهرة تتجاوز وحدة المصير حدود البلاغة السياسية؛ لأنها حقيقة يصنعها التاريخ، وتصوغها الجغرافيا، وتثبتها المصالح المشتركة، وتمنحها قيادتا البلدين مضمونها العملي، ويظل تكاملهما أحد أهم شروط استعادة الفاعلية العربية وصون مقدراتها وفتح آفاق أوسع للتنمية والازدهار.. دمتم بخير.










































