اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
شاركت مؤخراً في حفل إطلاق كتاب الباحثة الأردنية لارا علي العتوم «الشرق الأوسط وإيران»، الذي يتناول واحداً من أكثر ملفات المنطقة حساسية وتعقيداً، من خلال بحث علاقة إيران بالدول والمنظمات والأحزاب في الشرق الأوسط، وما تثيره هذه العلاقة من أسئلة تتصل بالنفوذ والمصالح والأمن القومي والتوازنات الإقليمية.
عرفت لارا قبل صدور الكتاب، عندما عملت خبيرة مع جامعة الدول العربية في ملف الفقر، وهو أحد الملفات التنموية المهمة ضمن منظومة العمل العربي المشترك. وقد لمست آنذاك جديتها كباحثة وقدرتها على التعامل مع الملفات المركبة، لذلك تابعت باهتمام انتقالها إلى ملف مختلف وأكثر حساسية وتشابكاً.
ويستحق هذا الاختيار التقدير لشجاعة الباحثة في الاقتراب من موضوع تتداخل فيه السياسة بالتاريخ، والأمن بالمصالح، والعلاقات بين الدول بأدوار القوى والمنظمات والأحزاب. فالكتابة عن إيران وعلاقتها بالعالم العربي ليست مهمة سهلة، خصوصاً في ظل تعدد الروايات والمواقف والحساسيات التي تحيط بهذا الملف.
في حفل الإطلاق، عرضت الباحثة أبرز أفكار الكتاب بوضوح، وشارك في تقديمه ومناقشته معالي الدكتور صبري ربيحات والدكتور علي العتوم، فيما أدار النقاش المهندس خالد المعايطة. وقدمت المداخلات قراءات سياسية وتاريخية وأمنية مختلفة، أكدت أن موضوع إيران لا يمكن تناوله من زاوية واحدة.
لكن ما استوقفني أكثر كان النقاش الذي أعقب العرض؛ إذ سرعان ما تشعب الحوار وتداخلت المفاهيم والمواقف، وانتقل الحديث بين إيران الدولة، والسياسات الإيرانية، والنفوذ الإقليمي، والتاريخ، والأمن القومي العربي، والعلاقات العربية البينية.
وهنا بدا لي أن النقاش نفسه كشف جوهر الإشكالية التي يطرحها الكتاب:
عندما نتحدث عن إيران، ما الذي نتحدث عنه تحديداً؟
هل نتحدث عن إيران الدولة أم عن سياساتها؟ عن خلاف سياسي أم صراع على النفوذ؟ وأين تنتهي المنافسة الإقليمية وتبدأ الممارسات التي تمس سيادة الدول؟ وهل يمكن وضع جميع علاقات إيران بدول المنطقة وقواها في إطار واحد؟
ليست هذه مجرد أسئلة في المصطلحات، لأن طريقة تعريف المشكلة تحدد إلى حد كبير طريقة التعامل معها.
ومن القضايا المهمة التي يطرحها الكتاب الحاجة إلى جهد عربي مشترك، ومعالجة الخلافات العربية البينية، وتطوير علاقات مؤسسية مع إيران، بالتوازي مع التعامل مع ما تعتبره الباحثة تمدداً سياسياً له انعكاساته على المصالح والأمن العربي. وهذا الطرح مهم لأنه لا يحصر الخيارات في المواجهة والقطيعة، أو في القبول بالأمر الواقع، بل يفتح مساحة لإدارة الخلاف والمصالح معاً.
إيران دولة كبيرة ومؤثرة وجارة للمنطقة العربية. لا يمكن إلغاء الجغرافيا أو تجاهل التاريخ والمصالح المتبادلة، كما لا يمكن القفز فوق الخلافات والتدخلات والصراعات التي عرفتها المنطقة. والتحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة هذه المعادلة ضمن رؤية واضحة للمصالح العربية.
ومن هنا، فإن الحديث عن «موقف عربي موحد تجاه إيران» يحتاج أيضاً إلى الواقعية. فالدول العربية تختلف في جغرافيتها ومصالحها وحساباتها الأمنية. وربما يكون الأكثر قابلية للتطبيق هو التوافق على مبادئ عربية مشتركة: احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحات لتصفية الصراعات، والاحتكام إلى الحوار والقانون الدولي والمصالح المتبادلة.
لكن السؤال لا ينبغي أن يبقى موجهاً إلى إيران وحدها.
فعندما نتحدث عن اتساع نفوذ أي قوة إقليمية في المنطقة العربية، علينا أن نسأل أيضاً: كيف نشأت المساحات التي سمحت لهذا النفوذ بالتمدد؟ وكم أسهمت الانقسامات العربية والأزمات الداخلية وضعف العمل الجماعي في فتحها؟
فالنفوذ لا يتمدد في الفراغ، وهذه ربما من أهم القضايا التي أثارها النقاش. وبين التركيز على السياسات الإيرانية وأدوات نفوذها، وبين تحميل الواقع العربي جانباً من المسؤولية، تظهر الحاجة إلى قراءة أكثر توازناً ترى المشهد كاملاً ولا تختزله في طرف واحد.
وهنا يأخذنا الكتاب إلى سؤال أكبر من إيران نفسها.
من السهل أن نسأل: ماذا تريد إيران من المنطقة؟ لكن الأصعب والأكثر أهمية أن نسأل: ماذا يريد العرب من منطقتهم؟ وكيف يريدون إدارة علاقتهم بإيران وغيرها من القوى الإقليمية؟
في تقديري، تكمن قيمة كتاب لارا العتوم هنا. ليس مطلوباً من الكتاب الجاد أن نتفق مع كل ما يطرحه، بل أن يفتح باباً للتفكير والنقاش، وأن يدفعنا إلى مراجعة المفاهيم وطرح الأسئلة الصعبة.
وقد فعل «الشرق الأوسط وإيران» ذلك. فقد أظهر النقاش الذي رافق إطلاقه أن العلاقة العربية الإيرانية أكبر من أن تختزل في شعار أو موقف مسبق، وأن الحاجة ليست فقط إلى معرفة ما تريده إيران، وإنما إلى بلورة رؤية عربية واضحة للمصالح والأولويات وأدوات التعامل مع الجوار الإقليمي.
ولهذا خرجت من حفل إطلاق الكتاب بسؤال أراه جديراً بأن يبقى مفتوحاً:
قبل أن نسأل ماذا تريد إيران من العرب… هل حدد العرب ماذا يريدون من إيران.












































