اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
أبدان من قماش..
خاص – سواليف الإخباري
*مقال الجمعة 11-9-2026
أحمد حسن الزعبي
لا يكترث كثيراً بمهن الحداثة ، لا تعنيه محلات الهواتف المتحرّكة، ومطاعم 'الزنجر' ، ومعارض تأجير الفساتين، ولا مكاتب دفع الفواتير اليكترونياً، لم يغيّر 'قارمة' محلّه منذ أن استوطن في ذلك الشارع الضيق واتخذ لنشاطه اسماً تجارياً تقليدياً 'مخيطة البركة'..
'اللافتة' صَدِئة ، بوابة المحل الداخلية مصنوعة من الخشب المدهون بالأزرق تقسمه ألواح زجاجية قديمة أحدها 'مشعور'، فهو نادراً ما ينظر من زجاج الواجهة ، لو نظر لرأى الشخص خمسة أشخاص أو ربما عشرة بسبب تشعّب الزجاج المهشّم وهذه أصدق رؤية يلمسها الإنسان الطبيعي . دعاية ملصقة 'لفاست لينك' يزيد عمرها عن ربع قرن ، وإعلان صغير بحجم أصابع اليد لمطهّر اولاد ، وبقايا صورة مرّشح انتخابي توفّاه الله بالأبيض والأسود بعد أن ذهبت الألوان مع عوامل الطقس والزمن والتحولاّت السياسية..
راديو قديم ،يرتفع لاقطه الفضي للأعلى قرب النافذة ، مثبت – منذ أن فتح مخيطته – على الإذاعة الأردنية ، وأحياناً يبحث عن قراءة للمنشاوي من إذاعة القرآن الكريم…صوت ماكنة الخياطة الكهربائية هي الناطق الرسمي الوحيد في المحل ، والمقص يفتح فمه دهشة وعطشاً …مكّوك الخيط الأسود لا يكفّ عن الدوران حول نفسه وكأنه راقص 'في موالد مصر'..أما الثياب الجاهزة فهي أبدان من قماش ، معلّقة من كتفيها حتى تبرأ جراحها من القص والخياطة…الثياب لا تثرثر،لا تتذّمر، لا تشكو ، لا تستغيب ، على العكس من أصحابها ، فقط تستجيب لريح المروحة الصغيرة الواقفة على طربيزة الخشب ..أما التي تنتظر دورها في غرفة عمليات الجرّاح، فهي ثياب راكعة على الطاولة..في طور التحضير..أو الاستتابة ،او الاعتراف بطولها أو قصرها ، باتساعها أو ضيقها..
كلما أربكتني الدنيا ، بقسوتها، بانقلاب القلوب ، بضجيج اللهاث وراء العيش ، أدخل الى مخيطة البركة ، استمع للمنشاوي ، وأزيز المروحة ، وصوت الماكنة الكهربائية ، وطشطشة المكوى اليدوي ..أشاهد جلود الناس المخلوعة هنا للإصلاح …أقول في نفسي ، يصلّحون ثيابهم ولا يصلّحون أرواحهم..ماذا لو اطمأنت 'أبدان القماش' لخيّاط البركة..وباحت بكل ما رأته في حياتها…هل ستستر 'فضيلتنا' كل هذه العرّي..؟…قالها لي ذات مرّة : أتعرف لماذا أنا باقِ في هذه المهنة؟…الإنسان ينسى يا 'خي أنه من طين'…بينما الثياب مهما غلا ثمنها..تعرف أنها صنعت من 'خيطين'..ثم عاد إلى صمته وصوت ماكنته المطيعة..
عندما تنزل الشمس خلف البناية الصغيرة المقابلة ، يمسح عينيه بكمّ قميصه ثم يرتدي نظارته السميكة ثانية ، يطفىء الراديو..ويسكت صوت المروحة ..ينزل متر القماش عن رقبته..يغلق الباب ليغادر إلى بيته..كما الشمس ..لا يهمه كم جنى من الرزق اليوم…بقدر ما يهمّه كم حافظ على سكينته وسلامة روحه من الفتوق…ثم تنسكب العتمة على أجساد الخيوط و قد تطهّرت من ضجيج لابسيها..
Ahmed.h.alzoubi@hotmail.com












































