اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٥ أيلول ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
تبقى الطمأنينة التي نعيشها اليوم امتدادًا لقصة وطن جعل الأمن جزءًا من حياة الناس، حتى غدا أمرًا نمارسه أكثر مما نتحدث عنه، فمن الطريق الذي عبره الأجداد، إلى الخوارزمية التي يعبرها الأبناء، تبقى السعودية هي الحكاية؛ وطنٌ آمن، وإنسانٌ مطمئن، ومستقبلٌ يعرف طريقه..
قد يقود أحدنا سيارته ليلًا من الدمام إلى نجران، أو يقطع الطريق من القريات إلى جازان، وتعود فتاة من عملها في ساعة متأخرة، وتسافر أسرة مئات الكيلومترات وهي تفكر في موعد الوصول أكثر من تفكيرها في الطريق نفسه. وفي شارع موازٍ، ينسى صاحب منزل مفتاحه في الباب، ويمضي إلى سريره كأن كل هذا أمر عادي، وهو عادي فعلًا في حياتنا اليوم!
لكن خلف هذه العادية حكاية طويلة لا نستحضرها كلما خرجنا إلى الطريق، أو عدنا إلى بيوتنا، أو تركنا أبناءنا يمضون إلى أعمالهم وجامعاتهم. الأمن عندما يستقر في حياة الناس واللا وعيهم يتحول من حدث نشعر به إلى طمأنينة نعيشها. وربما كانت هذه إحدى مفارقاته الجميلة.. ننتبه إلى الخوف سريعًا، أما الأمان فنتعود عليه.
حضرت هذه الفكرة وأنا أتابع 'مؤتمر حوار الأمن والتاريخ 2026'، الذي نظمته وزارة الداخلية في الرياض تحت عنوان 'تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء'، برعاية وزير الداخلية الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف، حاملًا سموه لهذا الحوار معنى يتجاوز المناسبة؛ امتدادًا لجده وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز –رحمه الله-، مع قراءة تجربة أمنية امتدت ثلاثة قرون تمنح التاريخ وظيفة أخرى، تجعله حاضرًا في فهم ما نعيشه اليوم وما ينتظرنا غدًا.
وكان لافتًا اتساع دائرة الحوار، بمشاركة أكثر من 160 متحدثًا، توزعت خبراتهم بين الأمن والتاريخ والفكر والإعلام والدبلوماسية والاقتصاد والتقنية. هذا التنوع مهم في ذاته؛ فالأمن المعاصر أصبح أكثر اتصالًا بحركة المجتمع وتحولاته ووعيه وتقنياته.
وأنا أتابع هذه النقاشات، ظل سؤال يلحّ عليّ: كيف تغير معنى الأمن نفسه خلال هذه الرحلة؟
فقبل ثلاثة قرون، كان الطريق أحد أكبر أسئلة الأمن. قافلة تريد الوصول، وحاج يبحث عن طريق آمن، وتاجر ينتظر وصول بضاعته، وقرية تريد الاطمئنان إلى موردها، كان الخطر في الغالب مرئيًا، وله مكان يمكن تحديده.
اليوم، مازال الطريق آمنًا.. لكن الخطر تعلم كيف يصل إلينا من دون طريق، فقد يأتي عبر رسالة في الهاتف، أو رابط، أو هوية مزيفة، أو معلومة مضللة، أو مقطع مصنوع بإتقان. ومع الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، أصبح الإنسان أمام تحدٍ مختلف؛ فقد يرى بعينيه شيئًا لم يحدث، ويسمع صوت شخص لم ينطق بما سمعه، ويتعامل مع هوية رقمية يصعب عليه التحقق ممن يقف خلفها.
وهنا انتقلنا، في جانب مهم من الرحلة، من أمن الحياة إلى أمن الخوارزمية، وأجد أن هذه المنطقة ستصبح واحدة من أكثر أسئلة الأمن حضورًا في السنوات المقبلة: أمن الوعي؛ فالخوارزمية لم تعد مجرد أداة تقنية بعيدة عنا؛ إنها تقترح ما نشاهده، وتنتقي جانبًا مما يصل إلينا، وتشارك بصورة غير مباشرة في تشكيل تصوراتنا عن الأشخاص والأحداث والعالم.
لهذا يبدو الجمع بين 'الأمن' و'التاريخ' في المؤتمر موفقًا. التاريخ هنا خبرة دولة عاشت تحولات كبيرة، وتغيرت أمامها طبيعة المخاطر وأدوات مواجهتها، فيما بقيت الغاية واحدة.. أن يعيش الإنسان مطمئنًا.
ويبقى أمامنا سؤال يستحق أن يمتد بعد انتهاء المؤتمر.. كيف نحول هذه الثروة التاريخية إلى ذاكرة حية تصل إلى الأجيال الجديدة؟
فالشاب الذي يحمل هاتفه اليوم يحتاج إلى معرفة قصة الأمن الذي ورثه، وربما يحتاج أكثر إلى إدراك مسؤوليته تجاه الأمن الذي سيصنعه. حماية الوعي، والتحقق من المعلومات، وصيانة البيانات، وفهم ما تفعله التقنية بعقولنا، ستصبح كلها جزءًا من ثقافة الطمأنينة في المجتمع الحديث.
كان المسافر قبل ثلاثة قرون يريد طريقًا يأمن فيه على نفسه وماله، والإنسان اليوم يريد الطمأنينة ذاتها، لكنه يحمل معه طريقًا آخر داخل هاتفه؛ تمر فيه هويته وأمواله وأفكاره وأخباره.
تغيّر الطريق كثيرًا، وستتغير طرق أخرى لم نعرفها بعد.. وتبقى الطمأنينة التي نعيشها اليوم امتدادًا لقصة وطن جعل الأمن جزءًا من حياة الناس، حتى غدا أمرًا نمارسه أكثر مما نتحدث عنه.
ومن الطريق الذي عبره الأجداد، إلى الخوارزمية التي يعبرها الأبناء، تبقى المملكة العربية السعودية هي الحكاية؛ وطنٌ آمن، وإنسانٌ مطمئن، ومستقبلٌ يعرف طريقه.










































