اخبار السعودية
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
الإرث الثقافي يجعلها أكثر قبولاً لدى الأسر المحافظة وبرامج إعداد المعلمين تعيد تشكيل أسباب اختيارها
لم تكن مهنة التعليم بالنسبة إلى أجيال من السعوديين مجرد وظيفة حكومية مستقرة، بل ارتبطت طويلاً بصورة اجتماعية جعلتها من الخيارات المفضلة لدى كثير من الأسر، وخصوصاً للنساء، فبيئة العمل، وساعات الدوام المنتظمة، والإجازات المتزامنة إلى حد كبير مع الأبناء، إضافة إلى الاستقرار والمكانة الاجتماعية للمعلم، عوامل أسهمت في ترسيخ صورة التدريس بوصفه مهنة تتلاءم مع طبيعة الأسرة المحافظة.
المشهد الوظيفي تغير كثيراً خلال الأعوام الأخيرة، إذ إن توسع سوق العمل ودخول السعوديات إلى قطاعات كانت خيارات العمل فيها محدودة سابقاً، إضافة إلى نمو قطاعات التقنية والسياحة والأعمال والإدارة والمشروعات الكبرى، منح الخريجين والخريجات مساحة أوسع للمقارنة والاختيار.
لم يعد التعليم في بعض المدن الكبرى المسار الواضح أو الوحيد أمام الخريجة، فيما قد يحتفظ بجاذبية أكبر في المناطق والمحافظات التي تقل فيها الفرص الوظيفية أو تتباعد فيها مقار الشركات والقطاعات الجديدة.
تعكس الإحصاءات الرسمية اتساع الخيارات الوظيفية أمام السعوديات، بعدما كان التعليم من أبرز المجالات التي استوعبت عمل المرأة خلال عقود سابقة. وبحسب تقرير الهيئة العامة للإحصاء عن المرأة السعودية لعام 2024، بلغ عدد السعوديات العاملات في القطاع الخاص نحو 997 ألفاً، مقابل 506 آلاف في القطاع الحكومي، و158 ألفاً في القطاع العام، وسجل القطاع السياحي وحده أكثر من 110 آلاف سعودية عاملة خلال العام نفسه.
وتشير بيانات أحدث للعاملات السعوديات في القطاع الخاص، نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى وجود نحو 201 ألف سعودية في أنشطة التجارة، و130 ألفاً في الصناعات التحويلية، و111 ألفاً في الخدمات الإدارية والدعم، مقابل 63 ألفاً في نشاط التعليم الخاص. وتعكس هذه الأرقام تنوع مجالات التوظيف المتاحة للمرأة السعودية، من دون أن تعني بالضرورة تراجع مكانة التدريس، الذي يحتفظ بحضور واسع في القطاع الحكومي.
وتشير بيانات حديثة إلى تحول في التفضيلات الوظيفية للسعوديات، إذ كشف تقرير 'عقد من التقدم' الصادر بالتعاون بين البنك الدولي والمؤتمر الدولي لسوق العمل العام الحالي، عن تراجع نسبة الباحثات عن عمل ممن يقتصر بحثهن على الوظائف الحكومية من 48 إلى 22 في المئة، في مؤشر إلى اتساع الإقبال على فرص القطاع الخاص.
وفي المقابل تظهر نتائج الدراسة الدولية للتعليم والتعلم 'تاليس 2024' استمرار جاذبية التدريس لدى المنخرطين في المهنة، إذ أفاد 92 في المئة من المعلمين الجدد في السعودية، من الجنسين، بأن التدريس كان خيارهم المهني الأول، فيما يرى 77 في المئة من المعلمين أن مهنتهم تحظى بتقدير المجتمع. وهي نتائج تعكس استمرار مكانة التعليم، وإن كانت لا تقيس ترتيب المهنة بين تفضيلات الخريجات السعوديات عموماً.
على رغم هذا التغير، يبدو أن الاعتبارات الاجتماعية لم تختفِ من معادلة اختيار الوظيفة، ففي تصويت أجري عبر منصة اجتماعية، طرح سؤال هل ما لا تزال مهنة التعليم من أكثر الوظائف تفضيلاً لدى الأسر المحافظة؟ وأجاب 832 من أصل 1172 مشاركاً بـ'نعم'، في مقابل 340 أجابوا بـ'لا'، أي ما يقارب 71 في المئة مقابل 29 في المئة.
وعلى رغم أن التصويت غير علمي ولا يمكن تعميم نتائجه على المجتمع السعودي، فإنه يقدم مؤشراً إلى استمرار حضور الصورة الاجتماعية التقليدية للمهنة لدى شريحة من الجمهور، حتى مع اتساع الخيارات المتاحة أمام المرأة.
وقد تكون طبيعة البيئة التعليمية، وبخاصة في مدارس البنات، وقلة الاختلاط بالنسبة إلى بعض الوظائف الأخرى، من بين الاعتبارات التي تجعل التعليم مناسباً لتفضيلات أسر معينة، إضافة إلى الدوام والإجازات والقرب من الأسرة، لكن هذه العوامل تطرح في الوقت ذاته سؤالاً آخر، هل يختار التعليم رغبة في التدريس نفسه؟ أم لأنه أكثر توافقاً مع الظروف الاجتماعية والأسرية؟
المشرف التربوي محمد الزارع يرى أن استمرار تفضيل التعليم لدى عدد من الأسر المحافظة لا يرتبط بطبيعة بيئة العمل وحدها، بل أيضاً بما تحمله المهنة من رسالة اجتماعية واضحة ودور في بناء الأجيال وخدمة المجتمع، إضافة إلى النظر إليها بعدِّها مهنة مستقرة ومنظمة وذات مكانة معروفة.
لكن المشرف التربوي يشدد على ضرورة ألا يختزل اختيار التعليم في هذه الاعتبارات، قائلاً إن التدريس 'مهنة تحتاج إلى رغبة حقيقية وصبر وكفاءة، واستعداد للتعلم والتطور المستمر'.
ويرى الزارع أن نظرة الخريجين تغيرت مع اتساع سوق العمل، إذ أصبح الخريج يقارن بين المهن وفق طبيعة العمل وفرص التطور والاستقرار ومتطلبات كل مجال، ولم يعد التدريس 'خياراً تلقائياً للجميع'.
وقد يكون ذلك التحول في مصلحة التعليم نفسه، بحسب الزارع، إذا أدى إلى دخول المهنة من لديهم استعداد وشغف حقيقيان بها، وليس فقط من يبحثون عن وظيفة مستقرة أو خيار يتوافق مع ظروفهم الاجتماعية.
وفي مقابل تغير نظرة المجتمع والخريجين إلى التعليم، يجري أيضاً تطوير طريقة إعداد من يرغبون في دخوله، إذ يؤكد مصدر مسؤول في المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي أن إعداد المعلم في السعودية ظل جزءاً من مشروع وطني يتطور بالتوازي مع تطور المدرسة وحاجات المجتمع، وأن نماذج الإعداد استفادت عبر مراحل مختلفة من تراكم الخبرات والتغيرات التي يشهدها الميدان التعليمي.
ويوضح المصدر أن المعرفة بالتخصص تظل أساساً في إعداد المعلم، لكن النموذج الحديث بات يجمع بينها وبين المعرفة التربوية والجدارات المهنية والممارسة الميدانية، إذ لم يعد دور المعلم مقتصراً على نقل المعرفة، بل أصبح مطالباً بالتخطيط والتقويم والتعامل مع اختلاف قدرات الطلاب وحاجاتهم واتخاذ قرارات مهنية متتابعة داخل الفصل.
ومع دخول التقنية والذكاء الاصطناعي بصورة أوسع في بيئة التعلم، وتزايد الاهتمام بمهارات التفكير وتنوع حاجات الطلاب، يرى المعهد أن إعداد المعلم قبل دخوله المهنة يجب أن يمنحه فرصاً حقيقية للتطبيق والتجريب وتلقي التغذية الراجعة قبل تحمله مسؤولية الصف بصورة مستقلة.
وفي هذا السياق يأتي الماجستير المهني في التدريس الذي أطلقه المعهد، بهدف إعداد الراغبين في دخول مهنة التدريس ورفع جاهزيتهم للممارسة منذ بداية مسيرتهم المهنية، ضمن نموذج يربط التأهيل بالمعرفة والجدارات المهنية والممارسة الفعلية، ويمتد مسار البرنامج من التأهيل إلى فرص التعاقد الوظيفي وفق معايير التوظيف والاحتياج الفعلي للوظائف التعليمية، بحسب المصدر.
بين التحولات المهنية الجديدة والاعتبارات الاجتماعية القديمة، تبدو صورة التعليم اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق، فالمهنة لا تزال تحتفظ بعوامل تجعلها ملائمة لشريحة من الأسر المحافظة، لكن الخريج أصبح في الوقت ذاته أمام سوق أكثر تنوعاً، فيما تتجه منظومة التعليم إلى رفع مستوى التأهيل المطلوب ممن يرغب في دخول الفصل.
وربما لا يكون التغير الحقيقي في تراجع مكانة التعليم أو ارتفاعها بقدر ما هو تغير أسباب اختياره، فبعدما ارتبط لدى كثيرين بالاستقرار والبيئة الاجتماعية المناسبة، بات مطلوباً من الراغب فيه أن ينظر إليه أيضاً بوصفه مهنة متخصصة تحتاج إلى إعداد وكفاءة وقدرة مستمرة على التطور.










































